تتراجع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وبريطانيا وسط ضغوط عسكرية متزايدة فرضتها الهجمات الإيرانية على قواعد ومواقع أمريكية، ما دفع واشنطن إلى سحب قاذفات وإجلاء قوات وإعادة النظر في انتشارها العسكري بالمنطقة، وفق ما أظهره تقرير عن التطورات الأخيرة. ونشرت صحيفة "نيويورك تايمز" مقالًا للصحفيين ديفيد سانغر وإريك شميت، تناول الانسحاب السريع لـ12 قاذفة أمريكية من طراز "بي-1" من قاعدة جوية في بريطانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع، مشيرة إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومساعديه وصفوا الخطوة بأنها إجراء احترازي جاء ردًا على تهديد رفضوا الكشف عن طبيعته. وأكد ترامب أن الأمر لا يتجاوز كونه إجراءً عاديًا، فيما حاول وزير خارجيته ماركو روبيو التقليل من أهمية الخطوة، مشيرًا إلى أن البنتاغون "يعيد باستمرار توزيع الموارد وتوجيهها إلى حيث تقتضي الحاجة". لكن المقال أشار إلى أن الانسحاب بدا، بالنسبة إلى مراقبين لانتشار القوة العسكرية الأمريكية حول العالم خلال الأشهر السبعة التي أعقبت قرار ترامب بمهاجمة إيران، مثالًا آخر على اضطرار ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث مرارًا إلى التراجع وسحب قوات عسكرية سبق نشرها في الشرق الأوسط وبريطانيا بهدف الردع. وتابعت "نيويورك تايمز" أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، ومع استمرار الصراع، كشفت الحرب مع إيران عن نقاط ضعف أمريكية جديدة وهائلة، ما فرض تغييرات لم يكن البنتاغون يضعها في الحسبان قبل عام، كما شكلت الحرب درسًا مريرًا بشأن العواقب غير المقصودة التي نتجت عن الصراع الذي اختار ترامب خوضه. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب أراد من الهجوم على إيران أن يكون استعراضًا آخر للقوة العسكرية الأمريكية الهائلة، بعد الغارة الجوية الناجحة التي استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية في حزيران / يونيو 2025، وعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من فراشه في كاراكاس في كانون الثاني / يناير. لكن الحرب، بحسب المقال، أدت بدلًا من تعزيز القوة الأمريكية إلى تقييدها، إذ إن إغلاق قواعد في الشرق الأوسط والحد من استخدام قاعدة في بريطانيا عقدا، إلى حد كبير على الأقل، الجوانب اللوجستية اللازمة لإظهار القوة العسكرية الأمريكية. وأكدت "نيويورك تايمز" أن القاذفات الأمريكية لا تزال قادرة على الوصول إلى أهدافها، لكن ذلك يتطلب انطلاقها من داخل الولايات المتحدة، وهو ما يستلزم وقتًا أطول وعمليات إضافية للتزود بالوقود. اظهار أخبار متعلقة وأشارت الصحيفة إلى أن مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية لا تزال قادرة على القيام بدوريات في بحر العرب، خارج الخليج الفارسي، لكنها باتت مضطرة للحصول على الإمدادات من قاعدة "دييغو غارسيا"، وهي جزيرة تقع في المحيط الهندي على بعد 2200 ميل، الأمر الذي يتطلب أسابيع إضافية وتكاليف مرتفعة. ولفت المقال إلى أن عمليات الانسحاب السريعة هذه حملت، بالنسبة إلى الإيرانيين وربما خصوم آخرين، درسًا مفاده أن بإمكانهم دفع قوة عظمى إلى الانسحاب. وفي أوروبا، بحسب الصحيفة، يدرس ترامب وهيغسيث خيار تقليص القوات الأمريكية وفق شروطهما وجدولهما الزمني، بينما فُرض عليهما هذا الأمر في الشرق الأوسط وبريطانيا. وقال مسؤولون أمريكيون وبريطانيون، الاثنين، إن القاذفات أُخرجت على عجل من القاعدة البريطانية بعد أن تلقى القادة معلومات محددة وموثوقة تفيد بأن عناصر مدعومة من إيران كانت تخطط لتنفيذ هجمات بطائرات مسيرة تستهدف تلك الطائرات والقوات الأمريكية من موقع قريب جدًا من سياج القاعدة. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن المخططين المشتبه بهم ربما استلهموا فكرتهم جزئيًا من هجوم جريء شنته أوكرانيا ضد روسيا العام الماضي، حين قامت بتهريب طائرات مسيرة إلى عمق الأراضي الروسية وإطلاقها من شاحنات نقل كبيرة، ما أدى إلى تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 12 طائرة. وتابعت الصحيفة أن ذلك الهجوم، إلى جانب هجمات أخرى، أعاد صياغة فهم البنتاغون لنقاط الضعف العسكرية، إذ لم يعد إبقاء القوات خارج نطاق الصواريخ كافيًا، بعدما أعادت الطائرات المسيرة والأسلحة السيبرانية تشكيل ملامح ساحة المعركة. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أنه يحق لترامب القول إن البحرية الإيرانية بأكملها قد أُغرقت خلال العمليات العسكرية الأولية، وإن سلاح الجو الإيراني المتهالك توقف تمامًا عن العمل. وأضافت أن إيران تقف على حافة الانهيار الاقتصادي، وقد أصابها الحصار البحري بالشلل بعدما أدى إلى خفض صادراتها النفطية إلى مستويات ضئيلة للغاية. لكن ذلك، بحسب المقال، لم يمنع الإيرانيين من إجبار الطائرات والأفراد الأمريكيين على مغادرة قواعد كانت آمنة في السابق، والابتعاد أكثر فأكثر عن إيران. وأوضحت الصحيفة أن الأفراد الأمريكيين أُجلوا من قواعد في البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر، وجميعها كانت تقع ضمن نطاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية. وأضافت أن بعض هذه القواعد تعرض لأضرار جسيمة إلى درجة أن البنتاغون لم يعد يبدي اهتمامًا يُذكر بإعادة بنائها، مع اتجاه إلى نقلها إلى مواقع أكثر بعدًا، بشرط موافقة الكونغرس على توفير التمويل اللازم. أما الممرات المائية، فالوضع فيها أكثر تعقيدًا، وفق "نيويورك تايمز"، إذ عجزت الولايات المتحدة عن ضمان "حرية الملاحة" عبر مضيق هرمز أو في أجزاء من البحر الأحمر، وهو الأمر الذي ظل على مدى نصف القرن الماضي أحد المبررات الرئيسية للوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. وقالت دانا سترول، المسؤولة البارزة سابقًا عن سياسات الشرق الأوسط في البنتاغون خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إن قرار إعادة سرب من القاذفات إلى الولايات المتحدة بشكل مفاجئ قد تكون له تداعيات داخلية وخارجية. وأوضحت سترول، التي تعمل حاليًا في "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى"، أن "قرارًا متسرعًا كهذا يُحدث اضطرابًا شديدًا في التخطيط العملياتي وفي الروح المعنوية للقوات". وأضافت أن الأمر الأكثر إثارة للقلق يقع على المستوى الاستراتيجي، موضحة أن الإيرانيين من المرجح أن يستوعبوا درسًا خطيرًا مفاده أن إظهار القدرة على الاقتراب من القواعد العسكرية الأمريكية، حتى تلك البعيدة جدًا عن الشرق الأوسط، يمكن أن يضغط على ترامب ويدفعه إلى التراجع. في المقابل، أشارت الصحيفة إلى أن ترامب والمدافعين عنه يتبنون رواية مختلفة تمامًا للأحداث. وخلال حملته الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي، دأب ترامب على تصوير إيران باعتبارها دولة تقف على حافة الانهيار، وتشهد تراجعًا متسارعًا في قيمة عملتها. اظهار أخبار متعلقة وأكد ترامب أن الحصار البحري المفروض على جميع الشحنات المتجهة إلى إيران أو الخارجة منها يخنق البلاد، وسيجبرها في نهاية المطاف على إبرام اتفاق. كما شدد على أن أي حديث عن إحراز إيران تقدمًا ليس سوى "أخبار زائفة" تروج لها مؤسسات إعلامية تتحدث عن نقص في الذخيرة أو انتكاسات أخرى بسبب عدم ولائها للوطن. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن مسؤولين إيرانيين أقروا للمرة الأولى بوطأة المعاناة الاقتصادية. ولفتت الصحيفة إلى أن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أشار هذا الأسبوع إلى أن إيران لديها وزير نفط جديد، قبل أن يتساءل عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "بالنظر إلى أن إيران لم تُحمّل برميلًا واحدًا من النفط الخام على أي ناقلة منذ 25 أغسطس، فما الذي يديره وزير النفط هذا؟" وعلاوة على ذلك، وصف مسؤولو الإدارة عمليات الإجلاء بأنها تدابير حكيمة ومؤقتة. وبحسب المقال، من المحتمل أن تعود قاذفات "بي-1" التي نُقلت على عجل إلى قاعدة فيرفورد الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وهي قاعدة شكلت ركيزة أساسية للتعاون العسكري الأمريكي البريطاني منذ إنشائها استعدادًا لعمليات الإنزال في "دي-داي" عام 1944. وحتى إذا حال التهديد دون عودة القاذفات، يصر مسؤولو القوات الجوية الأمريكية على قدرتهم على تنفيذ مهامهم بعيدة المدى انطلاقًا من قواعد داخل الولايات المتحدة. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن البنتاغون يريد دراسة فكرة إنشاء قواعد جديدة في إسرائيل والأردن، إلا أن هذه الخطوة تتطلب موافقة الكونغرس، كما أن تحديث القواعد القائمة أو بناء قواعد جديدة سيستغرق سنوات. وعندما تحدث هيغسيث إلى القوات يوم الأربعاء الماضي، لم يشر إلى الدمار الذي لحق بالقواعد في الشرق الأوسط، بل تحدث بدلًا من ذلك عن خلق منافسة بين الولايات الأمريكية لاستضافة قاعدة جديدة ضخمة داخل الأراضي الأمريكية. ولم تكن هذه هي الخطة عندما أعلن ترامب الهجوم على إيران في 28 شباط / فبراير ، إذ كان يتوقع تحقيق النصر خلال أيام قليلة، قبل أن يعدل توقعاته لتصبح خمسة أو ستة أسابيع. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب طالب بـ"استسلام غير مشروط"، وبعد مرور ثلاثة أسابيع على بدء الصراع، أعلن الهزيمة الكاملة لإيران. وفي يوم الخميس الماضي، قال ترامب إن إيران ستذعن "مباشرة بعد الانتخابات". لكن الواقع جاء مختلفًا، بحسب المقال، إذ قصفت إيران قواعد أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط ردًا على ذلك، ما أجبر العديد من القوات الأمريكية على الانتقال إلى فنادق ومساحات مكتبية في أنحاء المنطقة، وأثار تساؤلات بشأن مدى استعداد إدارة ترامب لهذه الحرب. وتابعت "نيويورك تايمز" أن إيران تمكنت من تحديد أماكن إقامة العديد من القوات الأمريكية، كان بعضهم يقيم في فنادق غير محصنة، وبدأت في استهدافهم أيضًا. ولم تقتصر الهجمات على الأهداف العسكرية، إذ تعرض مقر وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" في السعودية للقصف، رغم عدم وضوح ما إذا كان الإيرانيون استهدفوه عمدًا أم أصابوه عن طريق الخطأ خلال استهداف مجمع دبلوماسي. وأشارت الصحيفة إلى أن العديد من القواعد العسكرية الرئيسية الثلاث عشرة التي تستخدمها القوات الأمريكية في المنطقة أصبحت سريعًا غير صالحة للاستخدام، وكانت القواعد الموجودة في الكويت الأكثر تضررًا على الأرجح. وقُتل ستة من أفراد الخدمة العسكرية الأمريكية في ضربة استهدفت ميناء الشعيبة وأدت إلى تدمير مركز للعمليات التكتيكية تابع للجيش. كما استهدفت الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية قاعدة "علي السالم" الجوية، ما ألحق أضرارًا بهياكل الطائرات وتسبب في إصابة أفراد، وكذلك معسكر بيورينغ، حيث تضررت مرافق الصيانة والوقود. وفي قطر، قصفت إيران قاعدة العديد الجوية، التي تُعد المقر الجوي الإقليمي للقيادة المركزية الأمريكية، ما أدى إلى تضرر نظام رادار للإنذار المبكر. وفي البحرين، أصابت طائرة مسيرة إيرانية انتحارية معدات اتصالات في مقر الأسطول الخامس الأمريكي. أما في قاعدة الأمير سلطان الجوية بالسعودية، فقد ألحقت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية أضرارًا بمعدات الاتصالات وعدد من ناقلات الوقود الجوي. وفي هذا السياق، كتب محمد آية اللهي تبار، الأستاذ المشارك في الشؤون الدولية بكلية "بوش" للحكومة والخدمة العامة في جامعة تكساس، في مجلة "فورين أفيرز" في وقت سابق من هذا الشهر، أن إيران "تتبنى حاليًا استراتيجية تجاه الولايات المتحدة تتسم بالتصعيد والهجوم المستمر". وأضاف أن هذا يعني أنها لن تلتزم بالمسار الحالي ولن تسعى إلى التوصل إلى تسوية مع واشنطن، بل ستبدأ في اتخاذ المزيد من الخطوات للإضرار باقتصادات الشركاء الإقليميين للولايات المتحدة وزعزعة أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب توسيع نطاق هجماتها لتشمل البنية التحتية العسكرية الأمريكية. وتوقع تبار أن تحاول إيران الاستيلاء على بعض القواعد الأمريكية التي أصبحت مهجورة إلى حد كبير في دول الخليج العربية، رغم أنها تجنبت حتى الآن تنفيذ مثل هذه العمليات البرية. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن السيناتور كريستوفر ميرفي، وهو ديمقراطي يمثل ولاية كونيتيكت وعضو في لجنة العلاقات الخارجية، زار منطقة الخليج هذا الأسبوع لمعاينة الأضرار. وذكر ميرفي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنه مُنع من دخول قاعدة العديد. في المقابل، قال متحدث باسم البنتاغون إن ميرفي أُبلغ قبل رحلته بأنه لن يُسمح له بدخول القاعدة، وذلك بموجب قيود فرضها هيغسيث في بداية الحرب. وأكدت الصحيفة أن مسألة القواعد العسكرية تمثل قضية حساسة للغاية بالنسبة إلى البنتاغون، الذي رفض تزويد الكونغرس بتقديرات التكلفة اللازمة لإصلاح المنشآت أو إعادة بنائها. وأشارت إلى أن هذه التكاليف قد تصل، وفقًا للمشرعين، إلى عشرات المليارات من الدولارات. ورغم عدم وضوح الأسباب الكامنة وراء رفض مناقشة هذه المسألة، فإن تكلفة بهذا الحجم قد تتحول إلى ورقة سياسية يستخدمها المرشحون المعارضون للحرب. وبدلًا من ذلك، تجري حاليًا في القيادة المركزية الأمريكية، التي تشرف على العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، تخطيطات جادة لإعادة تموضع منشآتها في المنطقة وتغيير هيكليتها. وفي هذا السياق، قال السيناتور جاك ريد، ممثل ولاية رود آيلاند وكبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة، الشهر الماضي: "تواصل التكاليف المالية الارتفاع بمليارات الدولارات شهريًا، في حين ترفض الإدارة الاعتراف بأزمة الذخيرة التي نواجهها أو الإقرار بتكاليف إعادة بناء القواعد التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء الهجمات الإيرانية".

تراجع أمريكي من الخليج إلى بريطانيا.. كيف فرضت إيران إعادة انتشار قوات ترامب؟
٨ أكتوبر ٢٠٢٦
٩٧ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)