
عندما عُرضت عليه الترقية لم يشعر بالفخر كما توقع الجميع، بل بالضيق. منصب إداري أعلى وصلاحيات أوسع وراتب أفضل، ومع ذلك قال بهدوء "أفضل أن أبقى حيث أنا"، لم يفهمه زملاؤه ولا أسرته، وربما لم يفهم نفسه تماما، لكن السؤال الذي ظل يطارده "هل أتهرب أم أنني ببساطة لا أريد أن أكون قائدا؟".
هذا السؤال لا يخصه وحده، فكثير من الرجال يعيشون الصراع ذاته في العمل وفي الأسرة وحتى في الدوائر الاجتماعية، إذ يُتوقع منهم أن يقودوا وأن يحسموا وأن يتحملوا الواجهة دائما. وحين لا يرغبون في ذلك يساء تفسير موقفهم على أنه ضعف أو نقص في الطموح أو الرجولة. لكن ماذا لو كان الأمر أعقد من ذلك؟
في السنوات الأخيرة ظهر في أدبيات الإدارة وعلم النفس التنظيمي مفهوم يسمى "العزوف عن القيادة"، هذا المفهوم لا يشير إلى أشخاص عاجزين أو غير أكفاء، بل إلى أفراد يملكون القدرة على القيادة، لكنهم لا يفضّلونها خيارا للحياة.
الأبحاث تفرق بوضوح بين من لا يقود لأنه يفتقر للمهارة أو الثقة، ومن يستطيع القيادة لكنه لا يجد فيها توافقا مع قيمه أو طبيعته النفسية أو نمط حياته.
بهذا المعنى فإن رفض القيادة لا يكون دائما هروبا، بل قد يكون انسجاما صادقا مع الذات أو نقدا هادئا لنموذج قيادي سائد لا يراه الرجل إنسانيا أو عادلا.
علم النفس الحديث لا ينظر إلى القيادة باعتبارها صفة يولد بها الإنسان، بل هي دور سياقي يتأثر بالشخصية والظروف ونوع المهمة.
نموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية (Big Five Personality Traits)، الذي طوره بول كوستا وروبرت مكراي -وهو من أكثر النماذج استخداما في أبحاث الشخصية والعمل- يقسم الشخصية إلى 5 أبعاد رئيسية، وتظهر الدراسات أن:
المثير هنا أن رجالا أقل حماسة للظهور في الواجهة قد يتفوقون في أدوار أخرى حاسمة مثل التحليل والاستشارة وحماية البوصلة الأخلاقية أو دعم القائد من الخلف. أي أن غيابك عن الكرسي الأول لا يعني غياب التأثير، بل ربما يعني أن تأثيرك أدق وأعمق في موقع مختلف.
في المخيال الشعبي، وخصوصا في كثير من السياقات العربية، تربط القيادة الذكورية بصور محددة مثل السيطرة والحسم الدائم وتحمل كل شيء وحدك وعدم إظهار التردد أو التعب.
في مجتمعاتنا يتوقع من الرجل أن يكون:
الرجل الذي يتردد أو يستشير أو يفضل البقاء في الخلفية ينظر إليه أحيانا باعتباره أقل رجولة أو "ليّنا أكثر من اللازم".
هذه الصورة تجعل بعض الرجال ينفرون من القيادة لا لأنهم يكرهون التأثير، بل لأنهم يرفضون الثمن النفسي والأخلاقي الذي يبدو مفروضا معها.
في المقابل، تميز الأبحاث بين نمطين من القيادة:
في دراسة شهيرة بعنوان "تطور الوجاهة: الاحترام الممنوح طوعا كآلية لنقل الثقافة" يبين جوزيف هنريخ وفرانسيسكو غيل‑وايت أن المجتمعات الأكثر استقرارا تميل إلى القائد الذي يُتبع احتراما لكفاءته لا خوفا من سلطته.
وهنا تظهر المفارقة، وهي أن كثيرا من الرجال لا يرفضون القيادة في جوهرها، بل يرفضون صورتها الثقافية الخشنة كما رُسمت لهم.
يتحدث علم النفس الاجتماعي عن صراع أدوار النوع الاجتماعي (Gender Role Conflict) كما صاغه عالم النفس جيمس أونيل، وذلك حين يشعر الرجل أن رجولته تقاس بمدى سعيه للقيادة والسيطرة حتى لو لم يكن هذا منسجما مع ذاته الحقيقية. هذا المفهوم استخدم لشرح كيف أن توقعات الرجولة الصارمة قد تضر بصحة الرجل النفسية وعلاقاته.
فالرجل الذي لا يسعى للمنصب القيادي قد ينظر إليه باعتباره أقل طموحا أو أقل رجولة أو "مرتاح أكثر مما ينبغي". هذا الضغط يولد توترا داخليا بين ما يريده الرجل فعلا وما يتوقعه المجتمع منه. بعض الرجال لا يرفضون القيادة باعتبارها مسؤولية، بل يرفضون ثمنها النفسي من صراعات دائمة وقرارات ضد القناعة الأخلاقية أو فقدان الحياة الخاصة.
في العالم العربي يتخذ هذا الضغط أشكالا خاصة، فالرجل في مجتمعاتنا مطالب غالبا بأن يكون "المعيل" الأول وصوت الأسرة أمام المجتمع، وإذا كان مغتربا يحمل عبئا مضاعفا من النجاح في عمله الجديد إلى البقاء "قائدا" عن بُعد لعائلته في الوطن.
هنا يمتزج ضغط الرجولة الاقتصادية مع صورة القائد، الذي لا يحق له أن يتعب أو يعترف بالحيرة، فيختلط السؤال "هل أرفض المنصب الإداري لأنني لا أراه يناسبني أم لأنني مرهق أصلا من دور الرجل الذي يفترض أن يتحمل كل شيء؟".
أبحاث الدافعية المهنية تفرق بين رجال:
الأول قد يزدهر خبيرا أو مستشارا أو باحثا أو فنانا، ويذبل حين يُدفع إلى منصب إداري باسم "الترقية". الضغط عليه ليصبح قائدا فقط لأنه ناجح مهنيا قد يدمر متعته وقدرته معا ويحرم المؤسسة من أفضل ما فيه.
في بيئات العمل العربية، خاصة في المؤسسات الكبرى أو في قطاعات مثل النفط والبنوك، قد يجد الرجل نفسه أقرب إلى أحد نموذجين متطرفين: "مدير تقليدي" شديد التسلط أو "مدير صوري" يحمل من تحته كل الأعباء.
كما أن الموظف قد يُمنح أحيانا منصبا قياديا شكليا لكن من دون صلاحيات حقيقية فيزداد نفوره من فكرة القيادة ذاتها لا من المسؤولية.
ليس كل من لا يحب القيادة شخصا واحدا، وهنا يمكن التمييز -على سبيل الفهم لا التصنيف- بين أربعة أنماط شائعة:
التمييز بين هذه الأنماط يحدد السؤال الحقيقي "هل مشكلتك مع صورة القيادة أم مع المسؤولية نفسها؟ وهل تكره القيادة أم تكره شكلها السائد؟"، وعلى الرجل أن يسأل نفسه بصدق:
إجاباتك لا تعطي تشخيصا نفسيا، لكنها قد تكشف الفرق بين رفض واع وهروب غير معترف به.
حين تمجد الثقافة نموذجا واحدا للرجل -القائد المسيطر- يبدو كل رجل مختلف ناقصا. بينما الواقع أن المنظومات الصحية تحتاج أدوارا متعددة "من يقود ومن يخطط ومن يهدئ ومن يحسب المخاطر ومن يحرس القيم؟".
فليس كل تأثير مرئيا وليس كل من في الخلفية تابعا، في الأسرة مثلا قد يكون الأب أو الأخ الأكبر هو "القائد الرسمي" لكن من يحفظ تماسك الأسرة فعلا شخص آخر أكثر هدوءا وتأملا.
قد يكون في الكرسي الأول أو في الصف الثاني أو في غرفة هادئة تُصنع فيها الأفكار أو في بيتك مع أسرتك، المهم "أين تخدم نفسك ومن حولك بأفضل صورة؟".
يمكنك أن تتعلم مهارات التواصل والإصغاء واتخاذ القرار حتى لو لم تطمح لمنصب مدير أو زعيم.
كره السيطرة على الناس لا يعني ضعفا، أما الهروب المزمن من المسؤوليات فهو مشكلة تحتاج مواجهة صادقة.
ليس مطلوبا أن تكون في الواجهة دائما، بل أن تكون في المكان الصحيح وبالقدر الصحيح من التأثير.
إن لم تكن ذلك الرجل الذي يحب المنابر والواجهات فربما لا تحتاج أن تتغير لترضي صورة ضيقة عن الرجولة، ربما تحتاج فقط أن تفهم نفسك بصدق وتختار الدور الذي تقود به حياتك أولا، ولو من الخلف، وأحيانا "القيادة الحقيقية" تبدأ من هناك.
