دخلت الانتخابات الإسرائيلية مرحلة حاسمة مع انتقال لجنة الانتخابات المركزية إلى فرز مئات آلاف الأصوات المدلى بها عبر المظاريف المزدوجة، وسط ترقب لتأثيرها على موازين القوى داخل الكنيست الـ26، بعد أن منحت النتائج الجزئية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تقدما على المعارضة، دون أن توفر له الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
وأعاد هذا التطور طرح السؤال عن قدرة أصوات الجنود والاحتياط والنازحين على تعزيز معسكر نتنياهو، أو منح المعارضة بقيادة رئيس حزب "يشار" غادي آيزنكوت فرصة لتقليص الفارق، في انتخابات أفرزت ثلاث كتل برلمانية يصعب على أي منها تشكيل حكومة منفردة.
أعلنت لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، وفق آخر تحديث في الساعة 09:11 صباح الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اكتمال فرز الأصوات في جميع صناديق الاقتراع العادية، مع استمرار احتساب أصوات المظاريف المزدوجة بصورة منفصلة.
وأظهرت نتائج الفرز المنشورة حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدا، مقابل 48 لمعسكر المعارضة الصهيونية، في حين حصدت القائمتان العربيتان 19 مقعدا، موزعة بين 12 للقائمة المشتركة و7 للقائمة العربية الموحدة (رعام).
وحصل الليكود على 26 مقعدا، وحزب يشار بقيادة آيزنكوت على 21، وحزب "بيحاد" بقيادة رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت على 12، بينما تقاسمت بقية الأحزاب المقاعد المتبقية. ويحتاج نتنياهو -وفق هذه النتائج المؤقتة- إلى 8 مقاعد إضافية للوصول إلى أغلبية 61 مقعدا.
وأكدت القناة 12 الإسرائيلية -في تقرير للصحفية ياعيل يافه نُشر مساء الأربعاء- أن نتائج الفرز لا تمنح أي معسكر أغلبية حكومية، وأن المظاريف المزدوجة ستحدد التوزيع النهائي للمقاعد، خصوصا داخل المعسكرات المتنافسة.
وتكمن أهمية الأصوات المتبقية في تركيبتها المختلفة عن الناخبين في صناديق الاقتراع العادية، وفي تأثيرها المحتمل على القوائم القريبة من نسبة الحسم، وعلى اتفاقيات فائض الأصوات التي تتحكم في توزيع المقاعد الأخيرة.
تسمح آلية المظاريف المزدوجة بالتصويت خارج مركز الاقتراع الأصلي، وتشمل العسكريين وجنود الاحتياط والشرطة والسجناء والمرضى وبعض ذوي الإعاقة والنازحين، إضافة إلى الدبلوماسيين الإسرائيليين وفئات محددة من العاملين في الخارج.
وتضع اللجنة ورقة الاقتراع في مظروف داخلي سري، ثم تحفظه داخل مظروف خارجي يتضمن بيانات الناخب، قبل التحقق من عدم تصويته مرتين وفصل المظروفين، حفاظا على سرية الاختيار.
وكانت لجنة الانتخابات قد توقعت وصول عدد هذه المظاريف إلى 650 ألفا، لكنها خفضت تقديراتها الأربعاء إلى ما بين 430 و480 ألف مظروف، تعادل أصواتها حسابيا نحو 10 إلى 12 مقعدا، وفقا لتقديرات إعلامية، مقابل نحو 463 ألف مظروف في انتخابات 2022.
وهذه المقاعد ليست إضافة إلى مقاعد الكنيست الـ120، وإنما حصة تقريبية من مجموع الأصوات التي سيعاد على أساسها احتساب توزيع المقاعد، ونقلت صحيفة "دافار" في 28 أكتوبر/تشرين الأول أن اللجنة ما زالت تتسلم المظاريف، وأن تقديرها الجديد أولي وقابل للتعديل.
وفي مؤشر على أهمية التصويت العسكري، كشفت "يديعوت أحرونوت" الأربعاء أن المشاركة داخل الجيش بلغت 79.9%، بزيادة 6.2 نقاط مئوية عن انتخابات 2022، مع تشغيل أكثر من 890 صندوق اقتراع عسكري، نحو ربعها متنقل.
تمنح التركيبة الديمغرافية لهذه الأصوات أهمية سياسية خاصة، إذ ترتفع فيها نسبة العسكريين والشباب والمنتمين إلى التيار الصهيوني، مقابل تمثيل أقل للناخبين العرب والحريديم، وهو ما يجعل نتائجها مختلفة نسبيا عن التصويت العام.
ونقلت الصحفية ياعيل يافه في القناة 12، يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول، عن الدكتور آساف شابيرا، رئيس برنامج الإصلاحات السياسية في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، أن التصويت بالمظاريف المزدوجة يميل عادة قليلا نحو اليمين، لكنه يضعف في المقابل الأحزاب الحريدية، مما يؤدي إلى تعادل بعض المكاسب والخسائر داخل معسكر نتنياهو.
وقدّر شابيرا -في تقدير مشروط بأنماط التصويت السابقة- إمكان زيادة معسكر نتنياهو بمقعد واحد، مشيرا إلى أن المظاريف المزدوجة عادة ما تغير توزيع المقاعد بين الأحزاب أكثر مما تغير التوازن العام بين المعسكرات.
وأضاف أن حزب "عوتسما يهوديت" بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير وأحزاب اليمين الديني، يمكن أن تستفيد من الأصوات العسكرية، لكن حزبي يشار وبيحاد يستفيدان بدورهما من أصوات العسكريين والاحتياط المنتمين إلى التيار الصهيوني.
وبذلك لا يعني ارتفاع التصويت اليميني بين الجنود بالضرورة زيادة تلقائية في معسكر نتنياهو، فجزء من أصوات اليمين ينتقل إلى أحزاب تعارض استمراره في الحكم، بينما قد تتراجع حصيلة حليفيه الحريديين، شاس ويهدوت هتوراه.
تكشف نتائج انتخابات 2022 طبيعة هذا التأثير، فقد نشرت "يديعوت أحرونوت" في تحقيق للصحفي أمير أتينغر بتاريخ 25 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن عدد الأصوات الصحيحة في المظاريف المزدوجة آنذاك بلغ 458 ألفا و714 صوتا.
وحصل تحالف الصهيونية الدينية وعوتسما يهوديت على 15.5% من هذه الأصوات، مقابل نحو 10.8% من مجموع الأصوات على المستوى العام، وفي المقابل، حصل حزب يهدوت هتوراه الحريدي على 3.7% فقط، مقابل نحو 5.9% على المستوى العام.
كما حصلت القوائم العربية الثلاث على نحو 23 ألف صوت، تعادل قرابة 5% من المظاريف المزدوجة، بينما نال الليكود نحو 108 آلاف صوت، بما يقترب من حصته الوطنية.
وأدت إضافة المظاريف في تلك الانتخابات إلى تراجع يهدوت هتوراه من 8 إلى 7 مقاعد، مقابل ارتفاع "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان من 5 إلى 6 مقاعد، أما انتخابات 2021، فقد شهدت انتقال مقاعد بين أحزاب مختلفة دون تغيير التوازن النهائي بين المعسكرات.
وتوضح هذه السوابق أن التأثير الانتخابي للمظاريف يتحدد بحسب هوية المستفيد، والفروق الصغيرة بين القوائم، واتفاقيات فائض الأصوات، أكثر مما يتحدد بحجم المظاريف وحده.
تتركز الأنظار أيضا على قائمة "الاحتياط والاقتصاد" بقيادة وزير الاتصالات الإسرائيلي الأسبق يوعاز هندل، وبمشاركة الخبير الاقتصادي والمحاسب العام السابق لوزارة المالية يارون زليخا.
فقد حصدت القائمة نحو 128 ألف صوت، تعادل 2.63% من الأصوات المفروزة، مقابل نسبة حسم قانونية تبلغ 3.25%.
وبحسب حسابات نشرتها "يديعوت أحرونوت" للصحفي يارون دروكمان يوم الأربعاء، تحتاج القائمة إلى عشرات آلاف الأصوات الإضافية لتجاوز العتبة، مع بقاء العدد النهائي مرتبطا بإجمالي الأصوات الصحيحة.
وإذا تجاوزت القائمة نسبة الحسم، فستدخل المنافسة على المقاعد الموزعة حاليا بين الأحزاب الأخرى، وعرض موقع "بحَدري حريديم" -في تحليل للصحفي يحيئيل فاربر يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول- مثالا حسابيا يمنح هندل وزليخا 4 مقاعد، على حساب مقعد لكل من شاس ويشار وبيحاد والقائمة المشتركة.
وفي ذلك المثال، يصبح معسكر نتنياهو 52 مقعدا، والمعارضة الصهيونية 46، والقائمتان العربيتان 18، فيما تبقى المقاعد الأربعة لقائمة هندل-زليخا مستقلة عن المعسكرين.
وأوضح التقرير أن هندل أعلن خلال حملته رفض استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، مع مطالبته بحكومة صهيونية لا تعتمد على الأحزاب الحريدية والعربية.
أما قائمة "عمخا يسرائيل" بقيادة الضابط السابق عوفر فينتر، فقد ظلت بعيدة عن نسبة الحسم، رغم تركيز حملتها على العسكريين واليمين الديني.
تفتح نتائج المظاريف المزدوجة بابا أمام سيناريوهات سياسية تتجاوز توزيع المقاعد، فإذا بقي نتنياهو عند 53 مقعدا، فإن انضمام حزب إسرائيل بيتنا بمقاعده السبعة يمنحه 60 مقعدا، بينما يصبح الوصول إلى 61 ممكنا حسابيا إذا ارتفع معسكره مقعدا واحدا، لكن هذا الاحتمال يصطدم بمواقف ليبرمان المعلنة ضد نتنياهو وشركائه الحريديم.
وكشفت المحللة السياسية موران أزولاي في "يديعوت أحرونوت" يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول، أن وزراء بارزين في الليكود يدفعون نحو محاولة استمالة ليبرمان وبينيت، بينما يحاول نتنياهو الاحتفاظ بحرية المناورة قبل مشاورات التكليف الرئاسية.
وفي المقابل، أفادت موران أزولاي في "يديعوت أحرونوت" الأربعاء بأن المعارضة تبحث تغيير رئيس الكنيست أمير أوحانا بالتعاون مع الأحزاب العربية، في خطوة قد تمنحها نفوذا برلمانيا حتى دون تشكيل حكومة.
ويضاف إلى ذلك اشتراط الأحزاب الحريدية معالجة قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية من التجنيد، وهي قضية قد تعقد مفاوضات نتنياهو حتى مع احتفاظه بحلفائه التقليديين.
في الخلاصة تستطيع المظاريف المزدوجة تعديل توزيع المقاعد وتقليص الفوارق، لكن الانتقال من أغلبية انتخابية نسبية إلى أغلبية حكومية يتطلب اتفاقات سياسية أوسع.
وتضع نتائجها معسكر نتنياهو أمام معادلتين متداخلتين: حجم المكاسب المحتملة من أصوات العسكريين، وقدرته على استمالة شركاء خارج ائتلافه، وبذلك سيحسم الفرز النهائي عدد المقاعد، فيما ستحدد مفاوضات الأحزاب ومواقفها مستقبل الحكومة الإسرائيلية.

أصوات الجنود تحسم المقاعد.. هل تتغير حسابات نتنياهو الحكومية؟
٢٩ أكتوبر ٢٠٢٦
٣ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)