في 29 آب/أغسطس 1966، أُعدم سيد قطب شنقا في مصر، بعد سنوات من السجن والصدام مع نظام جمال عبد الناصر. وبعد ستة عقود، لا يزال اسمه حاضرا بقوة في النقاش حول الفكر الإسلامي الحديث، ليس فقط باعتباره أحد أبرز منظري جماعة الإخوان المسلمين، وإنما بوصفه مفكرا أعاد صياغة أسئلة الإسلام والحداثة والمجتمع والسلطة بطريقة تركت أثرا عميقا في أجيال لاحقة. ولفهم قطب، لا يكفي النظر إلى كتابه الأشهر "معالم في الطريق"، أو إلى الأفكار التي تبنتها لاحقا جماعات جهادية؛ إذ إن الرجل بدأ حياته أديبا وناقدا أدبيا، ثم انشغل بالعدالة الاجتماعية، قبل أن ينتقل تدريجيا إلى الإسلام السياسي، وتبلغ أفكاره ذروة الراديكالية في سنوات السجن. وتشير دراسات أكاديمية إلى أن مسيرته الفكرية مرت بمراحل متمايزة، من الأدب إلى الفكر الاجتماعي ثم إلى النظرية الإسلامية والسياسية. من محمد عبده إلى سيد قطب كان سؤال الإصلاحيين الأوائل، وفي مقدمتهم محمد عبده، يدور حول كيفية إصلاح المجتمع الإسلامي ومؤسساته، ومواجهة الجمود والتخلف والاستعمار، مع إعادة فتح باب الاجتهاد والتوفيق بين الإسلام ومتطلبات العصر. وقد ظل مشروع عبده في جوهره إصلاحيا؛ أي إنه سعى إلى تجديد الفكر والمؤسسات من داخل المجال الإسلامي.لم يكن إعدام قطب نهاية مشروعه الفكري، بل كان بداية مرحلة جديدة من حياته بوصفه رمزا. فبعد موته عام 1966، تحولت كتبه إلى مراجع لأجيال من الإسلاميين، ثم دخلت مفاهيمه في سجالات أوسع حول الدولة الإسلامية والعلمانية والجهاد والمجتمع المسلم.أما قطب فذهب لاحقا إلى سؤال أكثر جذرية: هل المشكلة في تخلف المسلمين عن العصر، أم في الحضارة الحديثة نفسها عندما تنفصل عن الوحي؟ ومن هنا انتقل من سؤال "الإصلاح" إلى سؤال "إعادة بناء المجتمع". لم يعد المطلوب عنده مجرد تحديث التعليم أو إصلاح المؤسسات، بل إعادة الإنسان والمجتمع إلى مرجعية الإسلام. البنا: الإسلام حركة اجتماعية.. وقطب: الإسلام رؤية كاملة للمجتمع اقترب قطب من جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة متأخرة نسبيا، ولم يكن من مؤسسيها. لكنه وجد في مشروع حسن البنا الإطار الحركي الذي ينسجم مع تطوره الفكري. البنا نقل الإسلام من مجال الوعظ الفردي إلى حركة اجتماعية منظمة تجمع الدعوة والتربية والعمل العام والسياسة. أما قطب فأضاف إلى هذا البعد الحركي بناءً فكريا أكثر صرامة حول طبيعة المجتمع والدولة والسلطة. ولهذا يمكن القول إن البنا كان أكثر انشغالا بسؤال: كيف نبني حركة إسلامية واسعة؟ بينما أصبح قطب أكثر انشغالا بسؤال: ما طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه، وما المرجعية التي تحكمه؟ وهنا بدأت مفاهيم قطب الأكثر شهرة في التبلور. المودودي.. المصدر الأهم لمفهوم "الحاكمية»" يصعب فهم مفهوم "الحاكمية" عند سيد قطب من دون التوقف عند المفكر الهندي-الباكستاني أبي الأعلى المودودي. فالمودودي كان قد بلور قبل قطب فكرة مركزية تقوم على أن السيادة النهائية لله، وأن الإسلام ليس مجموعة شعائر فردية وإنما نظام حياة يشمل المجال العام والسياسة والتشريع. وتوضح دراسات حديثة أن المودودي كان من أبرز من صاغوا مفهوم "الحاكمية" في الفكر الإسلامي الحديث، قبل أن يصبح المفهوم أكثر شهرة وانتشارا مع قطب. لكن قطب لم يكتف بنقل الفكرة. لقد وضعها داخل منظومة أكثر اتساعا: الحاكمية في مواجهة الجاهلية، والطليعة في مواجهة المجتمع الجاهلي، والجهاد باعتباره جزءا من عملية الانتقال إلى المجتمع الإسلامي. وبذلك أصبح مفهوم الحاكمية عنده ليس مجرد مسألة تتعلق بالتشريع، بل جزءا من تصور كامل للتوحيد والإنسان والمجتمع. "الجاهلية".. المفهوم الأكثر إثارة للجدل من أكثر ما ميّز قطب إعادة صياغته لمفهوم "الجاهلية"، فالمفهوم في أصله يحيل إلى العصر السابق للإسلام، لكن قطب وسّعه ليصبح وصفا لحالة يمكن أن توجد في أي زمان عندما ينفصل المجتمع عن هداية الإسلام. وبذلك أصبحت "الجاهلية" عنده نقدا للحضارة الحديثة، وليس مجرد وصف تاريخي للعرب قبل الإسلام. فالمجتمع قد يمتلك العلم والتكنولوجيا والمؤسسات الحديثة، لكنه يظل جاهليا في نظر قطب إذا كانت مرجعيته التشريعية والقيمية بعيدة عن الإسلام. وقد اعتبرت دراسات أكاديمية هذا المفهوم أحد أكثر عناصر مشروعه الفكري تأثيرا في الحركات الإسلامية الراديكالية اللاحقة. وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط قطب إثارة للجدل: فالانتقال من اعتبار الجاهلية وصفا تاريخيا إلى اعتبارها حالة معاصرة فتح الباب أمام قراءات مختلفة تماما لمفهوم المجتمع المسلم. "الطليعة".. من سيغيّر المجتمع؟ إذا كان المجتمع قد دخل في الجاهلية، فإن الإصلاح الجزئي لا يكفي، بحسب التصور القطبي المتأخر. ومن هنا جاءت فكرة "الطليعة المؤمنة"، أي جماعة تحمل التصور الإسلامي وتعمل على إعادة بناء الإنسان والمجتمع. وقد ظهرت هذه الفكرة في كتاباته قبل «معالم في الطريق» أيضا؛ ففي أوائل الخمسينيات كان قطب يناقش بالفعل كيفية إقامة مجتمع إسلامي، قبل أن تتخذ أفكاره لاحقا صورتها الأكثر راديكالية. وتشير دراسة تاريخية حديثة إلى أن قطب كان في تلك المرحلة مهتما ببناء "مجتمع إسلامي" وحركة اجتماعية واسعة، وليس فقط بمفهوم الطليعة بالصيغة التي ارتبطت به لاحقا. لكن تجربة السجن غيّرت طبيعة مشروعه. السجن.. لحظة التحول الكبرى اعتُقل قطب في سياق الصدام بين الإخوان ونظام عبد الناصر، وقضى نحو عشر سنوات في السجن. وهناك كتب أجزاء مهمة من "في ظلال القرآن"، ثم بلور في "معالم في الطريق" خلاصة أفكاره المتأخرة. وتصف دراسات متخصصة السجن بأنه لحظة حاسمة في تطور قطب؛ ففيه ترسخت بصورة أكثر وضوحا مفاهيم الجاهلية والحاكمية والطليعة، وأصبح نقده للنظام والمجتمع الحديث أكثر راديكالية. لكن اختزال التحول في تجربة السجن وحدها سيكون خطأ؛ فالسجن لم يخلق أفكاره من العدم، وإنما دفع تطورا كان قد بدأ قبل ذلك. العدالة الاجتماعية.. الوجه الآخر لقطب ورغم أن قطب يُستحضر اليوم أساسا بوصفه منظرا للجاهلية والحاكمية، فإن مشروعه بدأ أيضا من سؤال العدالة الاجتماعية. في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، انتقد الفقر والاستغلال والطبقية، وحاول تقديم تصور إسلامي للعلاقة بين الحرية والمساواة والمسؤولية الاجتماعية. وهذا الجانب يكشف أن قطب لم يبدأ مفكرا في السلطة والجهاد؛ بل كان في بداياته منشغلا بالأدب والمجتمع والعدالة، قبل أن تتجه كتاباته إلى أسئلة الدولة والمرجعية والتغيير. الجهاد.. من أكثر حلقات مشروعه حساسية ربط قطب بين الجاهلية والحاكمية والجهاد في منظومة واحدة. فالجهاد عنده لم يكن محصورا في المعنى الأخلاقي أو الفردي، وإنما تحدث أيضا عن الجهاد المسلح ضمن عملية التغيير التي تنتقل بالمجتمع من الجاهلية إلى الحاكمية. وهذه النقطة تحديدا جعلت قطب أحد أهم المراجع الفكرية التي استندت إليها تيارات إسلامية راديكالية ظهرت بعد وفاته.إن قراءة سيد قطب بعد ستة عقود لا ينبغي أن تبدأ من سؤال: هل كان بطلا أم إرهابيا؟ بل من سؤال أكثر دقة: كيف انتقل الفكر الإسلامي الحديث من الإصلاح عند محمد عبده، إلى الحركة عند حسن البنا، إلى الحاكمية عند المودودي، ثم إلى منظومة الجاهلية والحاكمية والطليعة عند سيد قطب؟لكن هنا ينبغي التمييز بين قطب وبين التأويلات اللاحقة لقطب. فقد أخذت جماعات ظهرت في السبعينيات وما بعدها بعض مفاهيمه، وأعادت تفسيرها ضمن ظروف سياسية وتنظيمية مختلفة. ولذلك فإن القول إن كل الجهادية الحديثة هي مجرد تطبيق مباشر لأفكار قطب تبسيط تاريخي، كما أن تجاهل تأثيره في هذه التيارات تبسيط من الاتجاه المعاكس. قطب.. ماذا أضاف إذن؟ إذا كان محمد عبده قد جعل السؤال هو كيف نصلح الإسلاميين والمجتمع؟، وحسن البنا جعله كيف ننظم المسلمين في حركة؟، والمودودي جعله من يملك السيادة والتشريع؟، فإن قطب جمع هذه الأسئلة في مشروع واحد أكثر جذرية: المجتمع الحديث يعيش جاهلية، والبديل هو حاكمية الله، وتحقيق هذا الانتقال يحتاج إلى طليعة مؤمنة ومنهج للتغيير. هذه هي الإضافة الأساسية لقطب، فهو لم يخترع كل مفاهيم مشروعه، لكنه أعاد تركيبها داخل رؤية واحدة، وربط نقد الحداثة بنقد الدولة والسلطة، وربط الحاكمية بالجاهلية، وربط الطليعة بالتغيير والجهاد. ومن هنا جاءت قوته الفكرية، وكذلك خطورة بعض التأويلات التي نشأت من حوله. لماذا بقي قطب بعد إعدامه؟ لم يكن إعدام قطب نهاية مشروعه الفكري، بل كان بداية مرحلة جديدة من حياته بوصفه رمزا. فبعد موته عام 1966، تحولت كتبه إلى مراجع لأجيال من الإسلاميين، ثم دخلت مفاهيمه في سجالات أوسع حول الدولة الإسلامية والعلمانية والجهاد والمجتمع المسلم. واللافت أن تأثيره لم يكن ناتجا عن كونه صاحب نظرية سياسية متكاملة بالمعنى التقليدي، وإنما عن قدرته على تقديم **تفسير شامل لأزمة المجتمع الحديث**: لماذا انحرف الإنسان؟ من يملك حق التشريع؟ لماذا فشل الإصلاح؟ وكيف يمكن استعادة الإسلام باعتباره منهجا للحياة؟ ولهذا فإن قراءة سيد قطب بعد ستة عقود لا ينبغي أن تبدأ من سؤال: هل كان بطلا أم إرهابيا؟ بل من سؤال أكثر دقة: كيف انتقل الفكر الإسلامي الحديث من الإصلاح عند محمد عبده، إلى الحركة عند حسن البنا، إلى الحاكمية عند المودودي، ثم إلى منظومة الجاهلية والحاكمية والطليعة عند سيد قطب؟ في الإجابة عن هذا السؤال تتضح خصوصية قطب: لم يكن مجرد امتداد لمن سبقوه، ولا مؤسسا منفردا لكل ما جاء بعده، وإنما كان حلقة حاسمة أعادت صياغة أسئلة الإصلاح الإسلامي في لغة أكثر راديكالية، وبقيت هذه اللغة مؤثرة حتى بعد إعدامه بستة عقود.

سيد قطب في ذكرى إعدامه.. من الإصلاح إلى "الجاهلية والحاكمية"
٢٩ أغسطس ٢٠٢٦
٢٥ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)