في الجنوب المغربي، حيث تتقاطع قسوة المناخ مع ندرة المياه واتساع رقعة الجفاف، تواصل شجرة الأركان الوقوف كواحدة من أبرز النظم البيئية القادرة على مقاومة التصحر وحماية التوازنات الطبيعية. جذورها العميقة التي تخترق التربة القاحلة ليست مجرد خاصية بيولوجية، بل تعبير عن ذاكرة بيئية وإنسانية ارتبطت بالمجال والإنسان لقرون طويلة.
اليوم، لم تعد شجرة الأركان مجرد شجرة لإنتاج زيت يسوق محليا ودوليا، بل تحولت إلى رمز بيئي ومناخي يختزل العلاقة بين التنمية والاستدامة والعدالة المجالية.
غير أن هذا الإرث الطبيعي يواجه تحديات متزايدة بفعل توالي سنوات الجفاف، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع التساقطات المطرية، إلى جانب الضغط البشري الناتج عن الرعي الجائر والتوسع العمراني والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية.
وبين التحذيرات البيئية والرهانات التنموية، يظل السؤال مطروحا: هل تستطيع شجرة الأركان الصمود أمام التحولات المناخية المتسارعة؟
تنتشر شجرة الأركان أساسا في مناطق سوس والجنوب الغربي للمغرب، ضمن مجال بيئي يُعد من أكثر المجالات حساسية أمام التغيرات المناخية.
وتمثل هذه الشجرة نظاما إيكولوجيا متكاملا يساهم في حماية التربة من الانجراف، والحد من التصحر، والحفاظ على التنوع البيولوجي، إضافة إلى دورها في الحفاظ على الرطوبة والتوازنات البيئية بالمناطق الجافة.
ويرى خبراء وفاعلون بيئيون في تصريح لـ "الجزيرة نت"، أن الأركان تشكل حاجزا طبيعيا في مواجهة التغيرات المناخية، خاصة مع تزايد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة عالميا، لكن هذا الدور الحيوي أصبح مهددا بسبب تدهور المجال الغابوي وصعوبة تجدد الأشجار بشكل طبيعي.
رغم تصنيف مجال الأركان محمية للمحيط الحيوي من طرف اليونسكو، فإن مؤشرات التدهور البيئي أصبحت مقلقة؛ فقد عرفت السنوات الأخيرة تراجعا في التساقطات وارتفاعًا في درجات الحرارة، ما أثر مباشرة في نمو الأشجار واستدامة الغطاء الغابوي.
كما تتداخل عوامل أخرى تزيد الوضع تعقيدا، مثل الرعي الجائر، وقطع الأشجار، والتوسع العمراني، والاستغلال غير المستدام للموارد الطبيعية، مما يضعف قدرة النظام البيئي على التوازن.
وفي هذا السياق، دعت شبكة جمعيات محمية المحيط الحيوي لأركان إلى اعتبار الشجرة قضية بيئية إستراتيجية، وليس مجرد مورد اقتصادي.
كما شددت على ضرورة مراجعة السياسات الترابية، وتسريع برامج التكيف مع التغيرات المناخية، وحماية الموارد المائية، مع تثمين المعارف التقليدية المرتبطة بهذا المجال.
وأكد عبد الله أحجام، المنسق الإقليمي للشبكة بتزنيت، أن الاحتفاء بشجرة الأركان يجب أن يتجاوز الطابع الرمزي إلى التفكير في مستقبل هذا المجال البيئي في ظل التحولات المناخية المتسارعة.
وشدد عبد الله في تصريحات للجزيرة نت على أن الحفاظ على الأركان يتطلب مقاربة تشاركية تضع الساكنة المحلية في قلب السياسات العمومية، مع تعزيز دور المجتمع المدني في التوعية والترافع، وربط البحث العلمي بالابتكار الاجتماعي.
واعتبر أن شجرة الأركان ليست مجرد مورد اقتصادي، بل رمز بيئي وثقافي، ومحمية المحيط الحيوي تمثل صمام أمان للتنمية المستدامة.
في المجال القروي، ترتبط النساء بشكل وثيق بشجرة الأركان، ليس فقط كمصدر دخل، بل كجزء من نمط حياة قائم على التوازن مع الطبيعة.
ومع توسع التعاونيات النسائية، أصبحت الشجرة نموذجا للربط بين التمكين الاقتصادي والحفاظ على البيئة، وفي هذا الإطار أكدت سعيدة عطار، رئيسة تعاونية أركان الخير بالصويرة (جنوب المغرب)، أن هذه الشجرة تلعب دورا مهما في مواجهة التغيرات المناخية عبر حماية التربة والتقليل من التصحر والحفاظ على التنوع البيولوجي.
وشددت سعيدة على أن النساء يشكلن خط الدفاع الأول في حماية هذا الإرث البيئي، داعية إلى تعزيز برامج التشجير والحد من الرعي الجائر لضمان استدامة المجال الغابوي.
في مواجهة هذه التحديات، أطلق المغرب برامج متعددة لحماية شجرة الأركان، تشمل إعادة تأهيل المجال الغابوي، ودعم مشاريع التشجير، وتشجيع البحث العلمي، إلى جانب دعم التعاونيات النسائية في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
كما تعمل الوكالة الوطنية للمياه والغابات بالمغرب على تنزيل برامج لمحاربة التصحر وحماية التنوع البيولوجي، مع اعتماد مقاربات تشاركية تدمج الساكنة المحلية في جهود الحماية.
ويعد الاعتراف الدولي بشجرة الأركان، سواء كمحمية للمحيط الحيوي أو عبر تخصيص يوم عالمي لها، اعترافا بأهميتها البيئية ودورها في مواجهة التغيرات المناخية.
وفي تصريح للجزيرة نت، أكدت الدكتورة أميمة أخيي، خبيرة في البيئة والتنمية المستدامة، أن شجرة الأركان تعد من أهم الأنظمة البيئية القادرة على التكيف مع الجفاف والتغيرات المناخية، بفضل قدرتها على تثبيت التربة وتقليل الانجراف ومكافحة التصحر.
وأضافت أن دورها لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يشمل وظائف بيئية أساسية مثل تثبيت الكربون وحماية التنوع البيولوجي، معتبرة أن المجال الغابوي للأركان يمثل "درعا بيئيا في المناطق الهشة".
ودعت إلى تعزيز البحث العلمي، وتوسيع برامج إعادة التشجير، وحماية التجدد الطبيعي، مع إشراك الساكنة المحلية، خاصة النساء، في تدبير هذا المجال.
وقالت إن شجرة الأركان اليوم تبقى أمام اختبار حقيقي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وبين ضغط الإنسان وقسوة المناخ، تتعاظم الحاجة إلى رؤية تنموية متكاملة تجعل من هذا الإرث البيئي جزءا من الأمن البيئي والمائي والغذائي للمغرب.
وتابعت أميمة أن حماية الأركان لم تعد خيارا بيئيا فقط، بل ضرورة إستراتيجية لضمان استمرارية أحد أهم رموز الصمود الطبيعي في مواجهة التغير المناخي.
تبقى شجرة الأركان اليوم أمام اختبار حقيقي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، وبين ضغط الإنسان وقسوة المناخ تتعاظم الحاجة إلى رؤية تنموية متكاملة تجعل من هذا الإرث البيئي جزءا من الأمن البيئي والمائي والغذائي للمغرب.
فحماية الأركان لم تعد خيارا بيئيا فقط، بل ضرورة إستراتيجية لضمان استمرارية أحد أهم رموز الصمود الطبيعي في مواجهة التغير المناخي.

شجرة الأركان.. هل يصمد كنز المغرب البيئي أمام قسوة المناخ؟
٢٣ مايو ٢٠٢٦
١٢ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)