لطالما سعت النخبة الفنية في هوليوود إلى البحث عن مساحات تلتقي فيها بعيدا عن بريق السجاد الأحمر وملاحقات كاميرات "الباباراتزي"، غير أن تسريبا صادما هز الأوساط التقنية والسياسية في الولايات المتحدة في الساعات الماضية، وكشف عن وجه آخر لاندماج نجوم الفن السابع مع عمالقة المال والسياسة والاستخبارات.
خلف الأبواب الموصدة لمنتدى سري غامض يُعرف باسم "جمعية ديالوغ" (Dialog)، اعتاد مخرجون وممثلون ومنتجون بارزون الجلوس في غرفة واحدة مع قادة عسكريين من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومسؤولين في الإدارة الأمريكية، لتبادل الآراء في ملفات بالغة الحساسية تمتد من تبادل الآرء بشأن "الحرب العالمية الثالثة" إلى سيكولوجية "بناء الطوائف الفكرية والدينية".
وقال موقع "أكسيوس" الأمريكي إن منتدى "ديالوغ" منظمة موالية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أسسها قبل عقدين المستثمران ورائدا الأعمال البارزان "بيتر ثيل" و"أورين هوفمان"، ووصفها بأنها "واحد من أكثر التجمعات نفوذا وغموضا، ويضم رؤساء تنفيذيين ومسؤولين منتخبين ومفكرين جهابذة".
انهار جدار السرية الذي فرضته الجمعية على عملها إثر نجاح المخترقة والناشطة السويسرية الشهيرة "مايا أرسون كريمو" في الوصول إلى دليل البيانات الداخلي للمنظمة، وهي واحدة من أشهر الناشطين في مجال كشف البيانات عالميا، ويرتبط اسمها بإنجازات سابقة أثارت ضجة دولية، أبرزها نجاحها في كشف وتسريب "قائمة حظر الطيران" الخاصة بالحكومة الأمريكية، فضلا عن اختراقها الشهير لأنظمة شركة كاميرات المراقبة الأمنية "فيركادا".
فقد نجحت الناشطة السويسرية في استغلال ثغرة برمجية داخل الشفرة المصدرية للموقع الإلكتروني المغلق للجمعية، ووضعت يدها على كنز من المعلومات السرية أظهرت الكيفية التي تدار بها كواليس العمل داخل "ديالوغ".
وتقاطعت المعلومات التي كشفتها الناشطة السويسرية مع وثائق وتسريبات مستقلة حصلت عليها بعض الصحف والمجلات الأمريكية، مثل مجلة "ذا هوليوود ريبورتر"، ومجلة "وايرد" المتخصصة في الشؤون التقنية، وموقع "ستريت أرو نيوز". وتحدثت هذه المصادر عن حجم النفوذ الذي تتمتع به هذه الجمعية السرية.
أظهرت القوائم المسربة لجمعية "ديالوغ" -والتي يشبّهها المراقبون بنسخة مصغرة من "منتدى دافوس" أو "مجموعة بيلدربيرغ" الغامضة- حضورا لافتا لشخصيات بارزة من مجالات الإعلام والترفيه والسينما إلى جانب مديرين تنفيذيين وسياسيين.
ووفقا للتقارير التي نشرتها الصحف والمجلات والمواقع المذكورة، برزت الأسماء التالية من مشاهير هوليوود:
وتضع الجمعية هؤلاء النجوم وجها لوجه في غرف مغلقة مع قادة عسكريين وسياسيين بارزين تتقاطع أعمالهم بشكل مباشر مع صناعة الإعلام والترفيه. وتشمل القائمة:
وعندما واجهت مجلة "ذا هوليود ريبورتر" المتحدث الرسمي باسم النجم جوش برولين بهذه التسريبات، جاء رده حادّا وصادما يعكس عدم دراية الممثل بالخلفيات السياسية للمنظمة؛ وصرح قائلا إن برولين "يود أن يعرف ما الذي ورّط فيه نفسه".
وفقا لما نقلته مجلة "وايرد" عن مصادر خاصة زودتها بقوائم التسجيل للقمة السنوية التي تنوي الجمعية عقدها هذا العام، فمن المقرر إقامة تجمعها القادم في الفترة من 12 إلى 16 أغسطس/آب المقبل في فندق "باورز كورت" الفاخر الواقع في ضواحي العاصمة الآيرلندية دبلن، بحضور 222 شخصية من النخبة الاقتصادية والفنية والاجتماعية والتكنولوجية، من بينهم 87 عضوا يشاركون للمرة الأولى.
وتكشف أجندة الجلسات السرية، التي يُمنع فيها منعا باتا تسجيل الكلمات أو نسبتها لقائلها، عن تركيز مكثف على القضايا الجيوسياسة مثل الطاقة النووية والحرب العالمية الثالثة والملف الإيراني وملف تايوان، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما يناقش أعضاء الجمعية مواضيع فكرية وفلسفية من قبيل بناء الطوائف الدينية.
الملمح الأكثر خطورة الذي ركزت عليه تحقيقات مجلة "وايرد"، هو حجم التداخل الصارخ بين أصحاب الشركات التكنولوجية الكبرى والمسؤولين الحكوميين المفترض فيهم مراقبة هذه الصناعة وتطبيق القوانين عليها، إذ يتجاور في الجمعية مثلا أورين هوفمان (رئيس جمعية ديالوغ ومؤسس شركات كبرى لجمع بيانات المواقع والهويات) والسيناتور تيد كروز، رئيس لجنة التجارة والعلوم والنقل بالكونغرس، التي تشرف مباشرة على هيئة التجارة الاتحادية وصلاحياتها في حماية خصوصية البيانات.
ويظهر في القوائم جو لونسديل، الشريك المؤسس لشركة البرمجيات الشهيرة "بالانتير" (Palantir)، التي تدير برامج تتبع المهاجرين لصالح وكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) ودمج البيانات لصالح البنتاغون والاستخبارات، إضافة إلى وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول، والنائب جيم هيمز، العضو البارز في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب التي تراقب الميزانيات والعقود التي تمنح لشركات مثل بالانتير.
ولإبعاد نقاشات جمعية "ديالوغ" عن أي رقابة، كشفت الصحف أن أيا من المسؤولين الحكوميين والعسكريين، بمن فيهم الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش، القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا وقائد القيادة الأوروبية الأمريكية، لم يستخدم بريده الإلكتروني الحكومي الرسمي للتسجيل في المؤتمر؛ بل استخدموا جميعا حسابات شخصية أو تجارية لضمان بقاء مراسلاتهم خارج نطاق قوانين حرية تداول المعلومات والسجلات العامة.
أما مجلة "ذا هوليوود ريبورتر"، فقد غاصت في عمق نظام "التقييم الطبقي الصارم" الذي تتبعه المنظمة لقبول الأعضاء الجدد؛ حيث يتم إخضاع المتقدمين لعملية فحص وتدقيق تمنحهم درجات تعكس مؤهلاتهم ومدى نفوذهم في مجالاتهم، والهدف من انضمامهم، والشخصية التي أوصت بقبولهم.
وأظهرت الوثائق منح الكاتبة التلفزيونية "تيريزا هسياو" التقييم الأعلى (A)، مع إشادة بملفها في تعزيز التنوع الثقافي في التلفزيون من خلال الكوميديا، وتبين من استمارتها أنها اشتركت لرغبتها في "التواصل مع صناع القرار في شبكات التلفزيون".
ونال النجم "جوش برولين" تقييما أدنى بدرجة (C)؛ وكتب في سيرة انضمامه المليئة بالمفارقات "لقد نشأت في مزرعة خيول، وتسلقت أجزاء من قمة إيفرست، وقدمت جوائز الأكاديمية (الأوسكار) وترشحت لها، وكتبت كتابا، وكان لي أصدقاء من أعظم فناني عصرنا، كما دخنت مخدر الكراك تحت سيارة في الساعة الثالثة فجرا في سان فرانسيسكو".
كما كشفت مجلة "وايرد" أن قاعدة البيانات المخزنة على منصة "إيرتيبل" (Airtable) التجارية تضمنت حقلا يسأل الأعضاء عما إذا كانوا "يبحثون عن الحب والارتباط"، إذ دير الجمعية تطبيقا وموقعا سريّا للمواعدة يحمل شعار "علاقات هادفة للشخصيات الاستثنائية".
وتجمع الاستمارة بيانات حول "التوجهات السياسية" للأعضاء (أقصى اليسار، اليسار، اليمين، أقصى اليمين) مع وعود قاطعة بأن هذه البيانات لن تُشارك مع بقية الأعضاء أبدا، وهي الوعود التي تبخرت بعد حدوث التسريب.
رغم أن الجمعية ممولة من ملياردير يميني محافظ (بيتر ثيل)، إلا أن القوائم أثبتت أنها ليست حكرا على المحافظين؛ بل تضم أقطابا بارزين من الحزب الديمقراطي الأمريكي (اليسار)، مثل السيناتور كوري بوكر، وحاكم ولاية ميريلاند ويس مور، وحاكم ولاية كولورادو جاريد بوليس، والشريك المؤسس لموقع "لينكد إن" ريد هوفمان.
وشملت القائمة أسماء بارزة مثل الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روجر مايرسون، والمدير التنفيذي لرابطة مناهضة التشهير جوناثان غرينبلات، إضافة إلى مجموعة من المدراء التنفيذيين لشركة غوغل وقطاع الذكاء الاصطناعي "غوغل ديب مايند" مثل توم لو، ومراسلة الأمن القومي لصحيفة "واشنطن بوست" سعاد ميخينيت، التي أدارت فعالية ثقافية تابعة للمجموعة باسم "نادي أوليسيس للكتاب".

قرصنة تكشف انضمام نجوم هوليود إلى جمعية سرية مع حلف الناتو
١٩ يونيو ٢٠٢٦
٢ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)