45- التنمية العمرانية الذكية استعرض المقال السابق مفهوم المدينة الذكية المستدامة وقارنه بأبرز التجارب العالمية الرائدة في هذا المجال. وإذ تتفرد مصر بخصوصية جغرافية وعمرانية وحضارية تستدعي مقاربة نابعة من واقعها وقيمها لا نقلاً حرفياً عن غيرها، نستكمل في هذا المقال المسار من التأصيل إلى الفعل، فنعرض استراتيجيات التنمية العمر انية الذكية في مصر، ثم التحديات التي تعترض تنفيذها وسبل مواجهتها. وفيما يلي استراتيجيات التنمية العمرانية الذكية في مصر: الحوكمة العمرانية ووحدة الولاية على المدينة: تتصدّر هذه الاستراتيجية لأنها الحاضنة التي يقوم عليها كل ما عداها. تتوزع الولاية على المدينة المصرية اليوم بين محافظات وهيئات ووزارات خدمية، فيتشتت القرار وتضيع المسؤولية، والمطلوب جهة إدارة واحدة واضحة الصلاحية والمساءلة عن كل مدينة. وهنا يستعيد نظام الحسبة والإمارة معناه بوضوح الولاية. وتحديد المسؤول أصلٌ في التصور الإسلامي للحكم، لأن تفرّق اليد على الأمر الواحد يفتح باب الإهمال وضياع الحقوق. إعادة توجيه النمو خارج الوادي والدلتا: جوهر الأزمة المصرية تكدّس السكان في نحو 7 في المئة من مساحة البلاد، وعلاج الداء يكون بجذب العمران والاستثمار نحو الظهير الصحراوي والسواحل عبر حوافز حقيقية وبنية أساسية جاذبة، مع حماية ما تبقّى من أرض زراعية بالتكثيف الرشيد بدل التمدد الأفقي. وهذا امتدادٌ لأمر العمارة في الأرض ونشر الحياة في أرجائها الواسعة، وحفظ الأرض المنتِجة من الإسراف الذي يُحاسَب عليه. تحصين المدن ضد الكوارث والتغير المناخي: هذه مسألة بقاء للدلتا المهددة بارتفاع منسوب البحر وموجات الحرارة وشحّ المياه، ويقتضي ذلك بناء المدن على معايير مقاومة للمناخ منذ التصميم من حماية سواحل وتصريف أمطار وتبريد طبيعي ومخزون مائي آمن. وحفظ النفوس والأرض من الهلاك مقصدٌ شرعي مقدَّم، والأخذ بأسباب الوقاية من صميم التوكل الذي يجمع بين السعي والثقة بالله. إدارة ذكية دائمة تصون المورد العام: تُقاس المدينة الذكية بإدارتها بعد الافتتاح، والمطلوب غرفة تحكم مركزية لكل مدينة تجمع بيانات الطاقة والمياه والمرور لحظياً، فتكشف الأعطال والتسريبات قبل تفاقمها. وهنا يتجدد مقصد الحسبة في صورة رقمية برقابة على المال العام تمنع الإسراف قبل وقوعه، صوناً لأمانةٍ يُسأل عنها ولاة الأمر أمام الله والأجيال. العمران المنتِج للوظائف: تتحول كثير من المدن الجديدة إلى مدن نوم يهجرها ساكنوها نهاراً بحثاً عن الرزق. وعلاج ذلك بربط التخطيط العمراني بقاعدة اقتصادية تولّد العمل بمناطق صناعية وحاضنات أعمال وخدمات تُوطّن الحياة في المدينة. وهذا تحقيقٌ لمقصد الاستخلاف في عمارة الأرض: مدينةٌ تُطعِم أهلها وتغنيهم عن سؤال الناس، فالعمل عبادةٌ ومصدر كرامة في التصور الإسلامي. توطين صناعة العمران الذكي: والمطلوب أن تتحول مصر من سوقٍ تستورد الحلول إلى منصةٍ تصنعها، بربط مشروعات المدن بالجامعات والشركات الناشئة لتطوير الحسّاسات والبرمجيات محلياً، وتحويل العاصمة الإدارية والعلمين إلى مختبرٍ حي للتصدير إلى المحيط العربي والأفريقي. والاستخلاف تكليفٌ بإعمال العقل وإضافة القيمة، فالإنتاج والابتكار أوفق لكرامة الأمة من التبعية والتلقّي. تطوير العشوائيات بالارتقاء بالإنسان: تُعالَج المناطق غير المخططة بمنهج التطوير في الموقع حيثما أمكن، حفظاً لشبكات الجيرة وأسباب الرزق التي بناها الناس عبر عقود. ورعاية حق الجار ودفع الضرر عنه معيارٌ إسلامي أصيل لكل تدخّل عمراني، فالارتقاء بالحق يبدأ بالإنسان ويصون انتماءه قبل أن يرفع الحجر. تمويل مبتكر متوافق مع الشريعة: تُحرَّر المدن من عبء الموازنة العامة بتنويع أدوات التمويل من صكوك خضراء للطاقة والنقل المستدام، وشراكات بين القطاعين العام والخاص، وإحياء الوقف العقاري بصيغته المعاصرة لتمويل المرافق والخدمات المجتمعية. والوقف نموذجٌ حضاري عبقري موّل أسواق المدينة الإسلامية ومستشفياتها ومرافقها قروناً، وإحياؤه اليوم استثمارٌ لتجربةٍ أثبتت جدواها. وتتكامل هذه الاستراتيجيات الثماني في منظومةٍ واحدة تبدأ بالحوكمة وتنتهي بالتمويل، وتضع الإنسان في قلبها. ويبقى الطريق إليها محفوفاً بتحديات حقيقية نعرض لها فيما يلي: التحديات وسبل مواجهتها تشتت الولاية وتضارب الجهات: يتصدّر هذا التحدي القائمة لأنه يُبطل أثر أي استراتيجية أخرى مهما أُحسن تصميمها. فحين تتنازع المدينة الواحدة محافظاتٌ وهيئاتٌ ووزاراتٌ خدمية دون جهة تُحاسَب، يتعطل تنفيذ القرار الواحد لتضارب الاختصاصات، وتتأخر معالجة الأعطال والتسريبات لأن كل جهة تُحيل المسؤولية إلى غيرها، وتضيع حقوق الأهالي بين مكتبٍ وآخر دون من يُسأل عنها. وهذا بعينه ما تعالجه استراتيجية توحيد الولاية السابقة؛ فغياب التطبيق يُبقي المدينة أسيرة الفوضى الإدارية مهما تقدّمت بنيتها التقنية. استدامة التشغيل والصيانة بعد الافتتاح: هذا هو القاتل الصامت للمدن الذكية؛ إذ يجد البناء تمويله وحماسه، ثم تتهالك الأنظمة الذكية خلال سنواتٍ حين يغيب التمويل الدائم للصيانة والتحديث، فتتحول الحسّاسات إلى خردةٍ معطّلة. والمواجهة بتخصيص موارد دائمة للتشغيل ضمن اقتصاد المدينة ذاته، وترسيخ ثقافة الصيانة الوقائية. الفجوة بين المدن الجديدة ومحدودي الدخل: يهدد ارتفاع أسعار المساكن الذكية بتحويلها إلى مدنٍ للأغنياء تُقصي الفئة الأوسع من المصريين. والعلاج في تخصيص نسبٍ ملزمة للإسكان الميسّر داخل كل مدينة، وربط الدعم بمستحقيه عبر المنظومة الرقمية. تكلفة البنية الذكية الباهظة: تتطلب المدن الذكية استثماراً ضخماً في الحسّاسات والشبكات والبرمجيات، يتجاوز طاقة الموازنة العامة وحدها. وتكمن المواجهة في التدرّج الحصيف بتطبيق الحلول الأعلى عائداً أولاً، وتنويع التمويل عبر الصكوك والوقف والشراكات، مع توطين الصناعة محلياً لخفض الكلفة وكسر التبعية للاستيراد. ضعف ثقافة الالتزام العمراني: تُقوّض المخالفات والبناء العشوائي والتعدي على الفضاء العام أفضل الخطط. والمواجهة تجمع بين الردع القانوني الحازم وإحياء الوعي بأن حفظ المرفق العام أمانةٌ يُسأل عنها الفرد. مقاومة التغيير والبُعد الاجتماعي: يصطدم نقل الناس إلى أنماط حياةٍ عمرانية جديدة بمقاومةٍ إنسانية طبيعية، فالإنسان يألف محيطه ويتمسك بعاداته ولو كانت أقل كفاءة. وتُفشل هذه المقاومة أفضل الخطط حين تُفرَض من فوق دون إقناعٍ أو تدرّج. والمواجهة بإشراك السكان في مراحل التخطيط، وشرح المنافع بلغةٍ يفهمونها، والتدرّج في التطبيق بما يمنح الناس فرصة التأقلم.العمران الذكي منظومةٌ إنسانية قبل أن يكون بنيةً تقنية، وأن تجاوز عقباته يبدأ من الإنسان، حوكمةً تحفظه وتمويلاً يشمله وعدلاً يصونه ووعياً يحمله المسؤولية زحف القوالب الخرسانية على الهوية المعمارية: يبتلع الطراز النمطي المستنسخ الوجه الحضاري للمدينة المصرية، فتتشابه العمائر وتفقد شخصيتها. والمواجهة بسنّ اشتراطاتٍ معمارية تصون الطابع المحلي وتستلهم حكمة العمارة التقليدية في تكيّفها مع المناخ، وتحويل التراث العمراني إلى أصلٍ اقتصادي يجذب السياحة والاستثمار. نقص الكفاءات المؤهلة لإدارة المدن الذكية: تحتاج المدينة الذكية إلى كوادرَ تجيد إدارة البيانات والأنظمة الرقمية، والحل ببناء برامج تأهيلٍ متخصصة بالشراكة بين الجامعات وهيئات العمران، واستبقاء الكفاءات الوطنية بدل هجرتها. فإعداد الإنسان القادر على العمارة شرطٌ لتحقيق الاستخلاف، إذ تُعمَّر الأرض بالعقل المدبّر لا بالحجر وحده. ويظل الأمن السيبراني تحدياً صاعداً يجعل المدينة المُدارة بالبيانات عرضةً لأي اختراقٍ يشلّ مرافقها، غير أنه يستحق بسطاً مستقلاً نتناوله في مقال "الأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية" ضمن هذه السلسلة. وتجمع هذه التحديات في مواجهتها خيطاً واحداً أن العمران الذكي منظومةٌ إنسانية قبل أن يكون بنيةً تقنية، وأن تجاوز عقباته يبدأ من الإنسان، حوكمةً تحفظه وتمويلاً يشمله وعدلاً يصونه ووعياً يحمله المسؤولية. وتبقى الخلاصة الجامعة أن العمران في تصورنا الحضاري عبادةٌ ورسالة قبل أن يكون مشروعاً هندسياً. فحين كلّف الله الإنسان بعمارة الأرض جعل ذلك من مقاصد وجوده عليها، وربطه بأمانةٍ يُسأل عنها أمانة المورد الذي لا يُسرَف، والجار الذي لا يُضار، والجمال الذي يُصان، والفقير الذي لا يُقصى، والمدينة التي تجمع هذه المعاني تكون قد جمعت ذكاء العصر إلى روح الأمة. إن مصر 2040 التي نطمح إليها ليست أبراجاً شاهقة تُبهر العين إنما مدنٌ تحفظ كرامة ساكنيها، وتصون موارد أبنائها، وتحمل وجهاً حضارياً يُعرَف به المصري أينما حلّ. مدنٌ تُنتج ولا تستهلك فقط، وتجمع الناس ولا تعزلهم، وتَعمُر بالحياة لا بالخرسانة وحدها. تلك هي المدينة التي تليق ببلدٍ يسعى لمقعدٍ بين العشرة الكبار؛ فالأمم الكبرى تُقاس بمدنها كما تُقاس باقتصادها. المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مصر ضمن الـ10 الكبار اقتصاديا: رؤية إسلامية لنهضة اقتصادية شاملة (45)
٢٤ أغسطس ٢٠٢٦
١٠٧ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)