مع وصول كأس العالم عام 2026 إلى نيويورك ونيوجيرسي، لم تبق البطولة داخل حدود الملاعب والمدرجات، فقد تحولت بعض مشاهدها ورسائلها الرسمية إلى مادة لنقاش سياسي واسع على منصات التواصل، كان عمدة نيويورك زهران ممداني في قلبه.
ففي الأيام الأولى للمباريات، تابعت حسابات أمريكية وإسرائيلية داعمة لإسرائيل، وأخرى يمينية، ظهور ممداني في الفعاليات المرتبطة بالبطولة، ومنشوراته الرسمية، وتفاعلاته مع جمهور كأس العالم. لكن هذا التتبع لم يأت في سياق رياضي فقط، بل أعاد تقديم هذه المواد ضمن سرديات سياسية ودينية تستهدف ممداني مباشرة.
ورصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة عددا من المنشورات والمقاطع التي انتشرت على منصات التواصل، ووجدت أنها تقوم على نمط متكرر بإعادة استخدام محتوى رسمي أو مصور، أو نسب مقاطع مضللة إلى ممداني على نحو غير دقيق، ثم توظيفها في سياق تحريضي مرتبط بهويته ومواقفه السياسية.
بدأ أحد أكثر المقاطع تداولا بفيديو يظهر شخصا وسط حشد ليلي في أحد شوارع نيويورك، وقد أرفق ناشره المقطع بتعليق يتهم عمدة المدينة بأنه كان بين الحشود بينما تشهد الشوارع أعمال فوضى وتخريب.
وحاول المنشور الإيحاء بأن الشخص الظاهر في الفيديو هو زهران ممداني، مستخدما لغة هجومية تربطه بالفوضى في الشارع، ويقدمه بوصفه مسؤولا عن الأمن والنظام بينما يظهر -وفق الادعاء- داخل الحشد.
لكن التحقق أظهر أن الشخص الظاهر في المقطع ليس ممداني، بل الكوميدي أماديو فوسكا، وهو ما تدعمه إعادة نشر المقطع نفسه عبر حسابات فوسكا على منصات التواصل الاجتماعي.
وبذلك، لم يكن المقطع دليلا على وجود ممداني في ذلك الموقع، بل بات مثالا على استخدام مشهد متداول لشخص آخر، ثم إعادة تأطيره سياسيا لاستهداف عمدة نيويورك.
وفي حالة أخرى، استغلت حسابات ناقدة لممداني منشورا رسميا نُشر عبر حساب عمدة نيويورك باللغة العربية، ضمن رسائل إرشادية موجهة إلى مشجعي كرة القدم الراغبين في حضور مباريات كأس العالم في نيويورك ونيوجيرسي.
كان مضمون المنشور تنظيميا بالأساس، إذ دعا المشجعين إلى التخطيط المسبق، واستخدام وسائل النقل الرسمية، والاطلاع على تعليمات التنقل خلال البطولة، لكن حسابات داعمة لإسرائيل أعادت تقديم المنشور بوصفه مؤشرا على تغير هوية المدينة.
وكتبت الناشطة الأمريكية لورا لومر "استوردوا العالم الثالث، وانتخبوا العالم الثالث، ثم أصبحوا العالم الثالث"، مضيفة أن ممداني "ينشر الآن باللغة العربية"، معتبرة ذلك دليلا على تغير هوية المدينة.
وفي السياق نفسه، هاجمت بريجيت غابرييل استخدام اللغة العربية في الحساب الرسمي لعمدة نيويورك، وكتبت أن ذلك "ليس تواصلا مع الجمهور، بل إنه غزو بالتسلل".
وفي السياق نفسه، كتب ديريك إيفانز أن نشر عمدة نيويورك بالعربية يعكس ما وصفه بـ"تحول ثقافي"، داعيا إلى مواجهة هذا التغيير.
وتعكس هذه المنشورات نمطا متشابها من الانتقادات التي ربطت استخدام اللغة العربية بهوية ممداني، رغم أن المنشور كان موجها لجمهور دولي من مشجعي كأس العالم، ويتضمن إرشادات تنظيمية مرتبطة بالبطولة.
امتد الاستهداف إلى حضور ممداني بعض مباريات البطولة، ففي منشور آخر، انتقد حساب داعم لإسرائيل ظهوره في مباراة المغرب والبرازيل، وادعى أنه حضر برفقة زوجته، رابطا ذلك بسرديات سياسية حول مواقفه.
لكن مراجعة حسابات ممداني الرسمية تظهر أنه أعلن في وقت سابق توفير ألف تذكرة مدعومة بقيمة 50 دولارا لسكان نيويورك عبر نظام قرعة خاص بالبطولة، في إطار تسهيل حضور مباريات كأس العالم.
ونشر ممداني لاحقا صورا ومقاطع من داخل المدرجات، وكتب أن ألفا من سكان نيويورك فازوا في القرعة التي أطلقتها المدينة للحصول على تذاكر ميسورة التكلفة، مضيفا أن الاحتفال جاء من المدرجات بأول مباراة في البطولة تستضيفها نيويورك ونيوجيرسي، تحت عبارة: "اللعبة الجميلة للجميع".
وبذلك، فإن حضوره لم يكن معزولا عن سياق رسمي أوسع مرتبط باستضافة المدينة للبطولة وتوفير تذاكر مدعومة لسكانها، لكنه قُدم في بعض المنشورات بوصفه مناسبة للهجوم الشخصي والسياسي.
تداول حساب آخر مقطع فيديو زعم أنه يظهر ممداني برفقة زوجته داخل الملعب، غير أن فحص المقطع ومقارنته بالمواد المتاحة أظهر أن السيدة الظاهرة معه هي حاكمة ولاية نيويورك كاثي هوكول، وليست زوجته كما ورد في الادعاء.
وتكتسب هذه الحالة أهمية لأنها تكشف طريقة عمل بعض المنشورات المتداولة؛ إذ لا تكتفي بالتعليق السياسي على صورة أو مقطع، بل تضيف معلومة غير دقيقة بشأن هوية الأشخاص الظاهرين فيه، بما يمنح السردية المنتشرة بعدا شخصيا إضافيا.
كما أوضح مكتب ممداني، بحسب ما ورد في تقارير أمريكية، أن حضوره بعض المباريات جاء بصفته الرسمية عمدة المدينة المستضيفة، وأن مشاركته تندرج ضمن التزامات تنظيم البطولة.
لا تظهر المواد التي رصدتها الوحدة أن الاستهداف اقتصر على واقعة واحدة أو منشور واحد. بل يكشف الرصد عن نمط متكرر تابع أنشطة ممداني المرتبطة بالمونديال، من حضوره في المدرجات إلى رسائله الرسمية متعددة اللغات، مرورا بمقاطع نُسبت إليه أو قُدمت في سياق غير دقيق.
وفي كل حالة تقريبا، جرى سحب المادة من سياقها الأصلي، إذ إن منشورا خدميا باللغة العربية صار دليلا مزعوما على تغير هوية المدينة، وظهورا رسميا في مباراة صار مادة اتهام، ومقطعا لشخص آخر في الشارع نُسب إلى ممداني ضمن خطاب عن الفوضى والأمن.
هذا النمط يعكس كيف يمكن للبطولات الكبرى، بما تخلقه من صور ورسائل جماهيرية كثيفة، أن تتحول إلى بيئة خصبة لإعادة تدوير المحتوى سياسيا، خاصة حين يتعلق الأمر بشخصية عامة مثيرة للجدل داخل المشهد الأمريكي.
في الأصل، تمثل استضافة نيويورك ونيوجيرسي لمباريات كأس العالم حدثا رياضيا وتنظيميا واسعا، يتطلب مخاطبة جماهير متعددة اللغات والثقافات، لكن بالنسبة إلى الحسابات التي استهدفت ممداني، تحول هذا السياق إلى فرصة لإعادة فتح معارك سياسية قديمة حول الهوية، والهجرة، واللغة، والموقف من إسرائيل.
وتكشف الأمثلة المرصودة أن الاستهداف الرقمي لم يعتمد فقط على اتهامات مباشرة، بل على تقنيات أكثر فاعلية في التداول بلقطة قصيرة، أو تعليق حاد، أو هوية ملتبسة لشخص في فيديو، أو منشور رسمي يُجتزأ من سياقه الخدمي.
وبين الملعب ومنصة إكس، ظهر المونديال كأنه مساحة موازية للصراع السياسي، حيث لا تُتابع المباريات وحدها، بل تراقب أيضا صور المسؤولين ولغات الرسائل الرسمية وحركة الشخصيات العامة في المدرجات.
وفي حالة ممداني، بدا أن الحدث الرياضي العالمي استُخدم لتكثيف خطاب سياسي ضده، عبر مواد بعضها غير دقيق، وبعضها مجتزأ، وبعضها صحيح من حيث الأصل، لكنه قُدِّم في سياق تحريضي يتجاوز مضمون الحدث نفسه.

حسابات داعمة لإسرائيل توظف المونديال لمهاجمة ممداني
١٦ يونيو ٢٠٢٦
٤ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)