الدوحة– في أروقة معرض الدوحة الدولي للكتاب، تنتشر 520 دارًا من 37 دولة، موزعة على 919 جناحًا، وسط حضور واسع من الزوار وبرنامج حافل بالفعاليات الثقافية.
وعبر جولة في أجنحته، استطلعت الجزيرة نت آراء عدد من الناشرين المشاركين حول واقع صناعة النشر العربي وتحدياتها الراهنة.
بيد أن هذه المشاركة الواسعة لا تحجب تحديات يواجهها الناشرون في زمن باتت فيه المنافسة تتجاوز دور النشر إلى أدوات رقمية تزاحم الكتاب على انتباه القارئ. ويقول إيهاب محمد، مدير مبيعات دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، للجزيرة نت إن “الكتاب الورقي ما يزال صامدًا رغم اتساع البدائل الرقمية، لأن شريحة من القرّاء لا تستبدل تجربة الورق بأي بديل”، مشيرًا إلى أن معارض الكتاب العربية تبقى شاهدًا حيًا على هذا الحضور المستمر.
ويمتد أثر التقنية ليتجاوز هموم الناشر إلى عادات القارئ ذاته؛ إذ لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات بحث، بل باتت وسيطًا يقرأ ميول المستخدم ويفتح أمامه آفاقًا معرفية لم تكن في دائرة اهتمامه من قبل.
ويذهب مدير دار دوّن للنشر والتوزيع من مصر محمد مصطفى، إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي أعادا تشكيل اهتمامات القارئ العربي، موضحًا للجزيرة نت أن القارئ “أصبح أكثر قدرة على استكشاف مجالات القراءة المختلفة”، وهو ما يراه فرصة أكثر من كونه تهديدًا.
غير أن ثمة تحديًا أعمق يطال جوهر الكتابة ذاتها؛ فمع تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي على التأليف، من محاكاة أساليب الكتّاب الكبار إلى الحفاظ على اتساق الحبكة عبر مئات الصفحات، بات التمييز بين بعض النصوص الإنسانية والآلية أكثر تعقيدًا.
لا تزال التقنية عاجزة عن محاكاة الحس الإبداعي الكامل للكاتب، إذ تبقى الكتابة الإنسانية ابنة التجربة والخيال، لا مجرد حصيلة لأوامر رقمية
ويُقرّ محمود عبد النبي، من دار إبييدي في مصر، للجزيرة نت بأن بعض الكتّاب باتوا يستعينون به، مؤكدًا أن دور النشر الجادة تمتلك آليات للكشف عن ذلك. لكنه لا يرى في التقنية خطرًا وجوديًا، معتبرًا أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة الحس الإبداعي الكامل للكاتب، إذ تبقى الكتابة الإنسانية ابنة التجربة والخيال، لا مجرد حصيلة لأوامر رقمية.
وفي الجانب الآخر من المشهد، تتبدل خيارات القارئ العربي على الرفوف؛ إذ لم تعد القراءة، لدى قطاعات واسعة، فعلًا معرفيًا خالصًا بقدر ما صارت أداة للمواكبة، في ظل أجيال تبحث عمّا يجيب على أسئلة سوق العمل وتحديات العصر، فيما فتحت منصات التواصل الاجتماعي نوافذ على ثقافات لم تكن متاحة من قبل.
ويلفت أحمد الراضي، مدير دار الكتب العلمية من العراق، للجزيرة نت إلى تزايد إقبال القراء العرب على الكتب المترجمة، لا سيما في موضوعات الإدارة والمهارات والعلوم المبسطة، مؤكدًا في المقابل تراجع الطلب على بعض الإصدارات الدينية والتاريخية التقليدية، إلى جانب كتب التعليم المباشر، مع اتساع بدائل التعلم الرقمية.
ولا تنتهي إشكاليات الصناعة عند حدود التقنية والذائقة، بل تمتد إلى مطبخ النشر ذاته؛ إذ باتت دور النشر تجد نفسها أمام معادلة مربكة بين جودة النص وحضور كاتبه، في زمن لم تعد فيه شهرة الكاتب رهينة جودة نصوصه وحدها، بل باتت مرتبطة أيضًا بحضوره على منصات التواصل وما ينسجه من علاقة مع متابعيه.
وحين يتعلق الأمر باختيار المخطوطات، يضع محمد البعلي، مدير ومؤسس دار صفصافة للنشر والتوزيع في مصر، الجودة في المرتبة الأولى، لا سيما في الأعمال الإبداعية. أما الحضور الرقمي للكاتب فقد يُشكّل قيمة مضافة في المؤلفات التي تستهدف جمهورًا واسعًا، قبل أن يخلص إلى أن “الفيصل في النهاية هو نوع الكتاب”.
وإلى جانب تحديات الإنتاج وتبدل الذائقة، تظل مسألة التسويق تحديًا قائمًا بذاته؛ إذ بات يتطلب عبور بيئة رقمية مزدحمة تتنافس فيها مئات المنصات على انتباه القارئ قبل أن يصله الكتاب.
ويؤكد الدكتور نصير الكعبي، مدير المركز الأكاديمي للأبحاث في العراق، للجزيرة نت أن العبء الأكبر في الترويج للكتاب يقع على عاتق الناشر عبر قنواته التقليدية في المكتبات والمعارض. ويشير إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تتيح فهمًا أدق لاهتمامات المتلقي وتوقيت تفاعله، مؤكدًا أن لاسم الكاتب المعروف أثرًا إضافيًا حين يروّج لكتابه عبر جمهوره.
وتقف صناعة النشر فوق ذلك أمام تحد لا يقل وطأة عن سابقيه؛ إذ باتت الأرقام الاقتصادية تُملي إيقاع الصناعة بقدر ما تفعله الرؤى الفكرية، في ظل اضطرابات متلاحقة في سلاسل الإمداد وارتفاع حاد في كلف الإنتاج والشحن، ضيّقت هامش ربح الناشر يومًا بعد يوم.
يقول وليد مصطفى، مدير المركز القومي للإصدارات القانونية في مصر، للجزيرة نت إن صناعة النشر تواجه ضغطًا مركبًا، فتكاليف مدخلات الإنتاج قفزت إلى خمسة أضعاف، كما تفاقمت كلفة الشحن بفعل التوترات الإقليمية. ويضيف: “يظل الكتاب الثقافي أقل حظًا في سلّم الأولويات، ومع ذلك نواصل المحاولة.”

في معرض الدوحة.. ناشرون يرصدون تحديات صناعة النشر العربية
١٩ مايو ٢٠٢٦
٢١ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)