طوال السنوات الماضية، كان العامل الرئيسي لنجاح وسائل التواصل الاجتماعي يكمن في أعداد المتابعين والقدرة على الانتشار وتقديم المحتوى للجمهور. لكن المشهد تغير في الآونة الأخيرة، فقد تسارع تطور وسائل التواصل الاجتماعي في منطقة الخليج في ظاهرة أبرزت مؤشرات لافتة تتجاوز بكثير مجرد هذه الأرقام.
ففي منصة “يودل” نتابع مشهدًا يتغير جذريًا ويتجلى بوضوح في المملكة العربية السعودية التي باتت أحد المؤثرين في رسم ملامح هذا المشهد، إذ يعيد المستخدمون فيها تعريف مفهوم الخصوصية والدقة في التفاعل الرقمي.
وعندما يتعلق الأمر بقاعدة مستخدمي المنصة في المملكة، تبرز الحوارات المحلية داخل الأحياء والمجتمعات متقدمة على ثقافة أعداد المتابعين. إذ يتبنى المستخدمون أساليب جديدة في النشر، في بيئة نابضة بالحيوية، تقوم على التفاعل النشط، والروابط الوثيقة، وجيل شاب متمكن رقميًا.
وعلى منصة يودل، لاحظنا أن المستخدمين في المملكة والبالغ عددهم نحو ٦ ملايين شخص، يتفاعلون بصورة أكثر تأثيرًا وصدقًا، مدفوعين بالفضول الذي يحركهم لمعرفة ما يجري من حولهم، ورغبتهم في متابعة توصيات من يعرف أحياءهم ومدنهم فعلًا، مع طرحهم أسئلة تحظى باهتمام المتابعين الآخرين دون الحاجة إلى الإفصاح عن هوياتهم.
عندما أجرى يودل استطلاعه في أبريل 2026، وجدنا تغيرًا كبيرًا في توقعات الناس من منصات التواصل الاجتماعي. فقد أجاب 76% من المشاركين الذي بلغ إجمالي عددهم 734 مستخدمًا في السعودية أن المنصة تمكنهم من معرفة ما يحدث في مجتمعاتهم المحلية، فأصبحت دوافعهم محددة بصورة أكبر، وتتمثل بشكل رئيسي في متابعة ما يحدث في السياق المحلي.
“مدينتي” بات هو التعريف الغالب لمستخدمي منصتنا في السعودية للمجتمع المحلي، وهو ما يؤشر إلى أنها – أي المدينة – أصبحت الوحدة الأهم على منصات التواصل الاجتماعي لتفوق الخوارزميات والمحتوى المتدفق عبرها وهو ما تدل عليه دراسة يودل التي أشار 59% من المبحوثين فيها بهذا التعريف مقارنة بـ17% ربطوه بالقرب الجغرافي، و11% بالأحياء السكنية.
حاليًا، لم تعد المنصة مجرد وسيلة لمناقشة الحياة اليومية، بل أصبحت مجلسًا رقميًا يساهم في تعزيز الشعور بالانتماء المجتمعي، إذ أصبحت مساحة تفاعل لأكثر من نصف المستخدمين الذين يشاركون بفعالية عبر المنشورات والردود. فيطرح هذا الطالب استفساراته حول الحياة الجامعية. فيما يبحث آخرون من أبناء حييه عن معلومات أو توصيات تتعلق بالمطاعم والخدمات، أو حتى حالة المرور قبل الخروج من المنزل.
أما الخصوصية، فلا تنفصل عن سياق الحديث، إذ تعد عنصرًا رئيسيًا في فسيفساء ثقافة الخليج، لا سيما مع إدراك المستخدمين لأهمية السمعة والبصمة الرقمية، مع فهم ما تنطوي عليه منشورات المؤثرين من أهداف ومصالح دون أن تقدم تجربة حقيقية.
وينعكس ذلك في ثقة المستخدمين مثل قول أحدهم “تقييمات المستخدمين مجهولي الهوية للمستشفيات ومراكز الخدمات في الحي… أكثر مصداقية من المحتوى المدعوم”.
ونتيجة لذلك، يوفر التواصل دون الكشف عن الهوية، إلى جانب التفاعلات الخاصة، بيئة أكثر انفتاحًا للمشاركة؛ فتُطرح أسئلة أكثر مباشرة، وتدور نقاشات أكثر صراحة ووضوحًا، ومعها ينخرط من كانوا يكتفون بالمتابعة في حوارات فاعلة.
رغم ذلك، فإن الخصوصية ليست حلًا كاملًا دون معرفة المستخدمين كيفية تعامل المنصة مع المشكلات حال وقوعها، وآلية معالجة البلاغات، وفهم كيفية مراجعة القرارات والإجراءات المتبعة عند ظهور حالات خطيرة فعلًا، ولهذا، يسعى يودل من خلال مركز الثقة إلى التوازن بين الشفافية والمساءلة من خلال استخدام لغة واضحة للمستخدمين تعرفهم بإمكانات التطبيق وسياساته.
وحال وقوع مشكلة، فإن يودل يمتلك منظومة متكاملة للإبلاغ عن المحتوى بسهولة وفعالية، إلى جانب تقييد المستخدمين الآخرين أو حظرهم، فضلًا عن إمكانية الطعن على قرارات الإشراف والمراجعة. أما الحالات الطارئة، بما في ذلك التهديدات الموثوقة أو المخاوف المرتبطة بإيذاء النفس، فمراجعتها فورية، مع الاستجابة لباقي الحالات بأسرع وقت ممكن.
هذه المنظومة تعمل من خلال إشراف يقوم على شقين أحدهما بشري مدرك للأعراف المحلية واللهجات العربية، والآخر قائم على الذكاء الاصطناعي المدرب على المفردات والتعابير المحلية والمخصص للتعامل مع الحجم الكبير من المحتوى، وهو ما يشكل جزءًا من عملية التوطين من أجل تعزيز الحس الثقافي وفهم السياقات المحلية.
وبالعودة إلى المشرفين البشريين، ولأن الكلمات وحدها لا تكشف عن رغبات المستخدمين وتفاعلاتهم، يتولى هؤلاء المتخصصون التعامل في هذا السياق لزيادة الوعي. فيما تساعد الرسائل التلقائية على نقاشات أكثر هدوءاً من خلال دعوة المستخدمين إلى التريث قبل نشر محتوى مثير للجدل مما يزيد الثقة في المنصة وقدرتها على إدارة الأمور واتخاذ القرارات.
ومع توسعنا في بقية دول الخليج، نسعى إلى صياغة نسخة من يودل تتناسب مع السياقات المحلية، مع الإبقاء على الجوهر، بما في ذلك اللهجات والأعراف الاجتماعية والثقافية، ويرشدنا في ذلك سلوك المستخدمين في المملكة التي تعد واحدة بين أكبر ثلاثة أسواق لنا عالميًا، والسوق الأكثر تفاعلًا في المنطقة.
ويؤثر المستخدمون السعوديون في نظرتنا إلى مفاهيم المشاركة والسلامة والثقة على المستوى الإقليمي، مع مراعاة اختلاف الجمهور في أسواق مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر التي تتسم بارتفاع نسبة المقيمين فيها، ووضع الأولوية لاعتبارات السلامة والحساسية الثقافية.
وبصورة عامة، فإن قدرة وسائل التواصل الاجتماعي في الخليج ستتحدد خلال المرحلة المقبلة من خلال نجاحها في بناء مجتمعات يعتمد عليها الناس فعلًا في حياتهم اليومية. وفي هذا السياق، تقدم المملكة العربية السعودية لمحة لافتة عن مستقبل هذا القطاع، لتكون مؤشرًا مبكرًا لما قد تشهده المنطقة لاحقًا وهو ما يمكن اختصاره بالقول “منصات تركز على جودة المحتوى، بدلًا من حجم الانتشار والوصول”.
إن المحتوى النابع من التجربة الإنسانية الحقيقية هو ما يجذب المستخدمين وينعكس في نقاشاتهم اليومية فيتابعون وجهات النظر الواقعية والحلول العملية بصورة أكبر من نظيره الهادف إلى الانتشار السريع، لا سيما في السياق المحلي، فعند وقوع الحدث يتساءل الجميع “هل سمعت؟”، وتصبح الإجابة صادقة من أشخاص تربطهم مدينة واحدة.
ولهذا، فإن شعور الطمأنينة والاستقرار الذي توفره المنصات المجتمعية لمستخدميها خاصة في أوقات الاضطرابات المحلية يضيف بُعدًا متناميًا إلى النسيج الاجتماعي للمجتمع.

ثورة المحتوى المحلي تعيد رسم مشهد التواصل الاجتماعي في الخليج
٢٣ مايو ٢٠٢٦
٧١ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)