
يُفقِد الاعتياد أعظم ظواهر الكون روعتها وعظمتها، حتى يمر الإنسان بآيات تستحق التأمل دون أن يرفع بصره إليها، وهو ما يجعل الاعتياد من أعقد الإشكاليات التي تواجه العقل الإنساني في رحلته نحو الوعي والمعرفة.
تناول برنامج "قال الحكيم" في حلقة "عن الاعتياد" -التي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذه الإشكالية من زوايا فلسفية وروحية متعددة، مستحضرا أقوال الحكماء والعلماء عبر التاريخ للإجابة عن سؤال محوري: هل الاعتياد نعمة تُيسّر الحياة أم نقمة تُغلق أبواب التأمل والشكر؟
ووفقا للمفكر الإسلامي مالك بدري فإن الألفة الشديدة والتعود عائقان حقيقيان للتفكير في الأشياء وتدبّرها، إذ يفقد التكرار الرتيب أعظم الظواهر روعتها.
وفي الاتجاه نفسه، رأى الفيلسوف الفرنسي ديكارت أن من نشأ مكبّلا بالسلاسل منذ طفولته اعتقد أنها جزء من جسده يحتاج إليها كي يمشي، في صورة مخيفة لما يفعله الاعتياد بعقل الإنسان وحريته.
ومن جهة أخرى، ذهب المفكر الإسلامي مصطفى الصباغي أبعد من ذلك حين وصف مراحل تحوّل العادة بدقة مثيرة، من طور السخافة إلى طور الألفة ثم إلى طور العبادة، في تصاعد يكشف كيف يتحول ما كان هامشيا إلى مركز لا يُمس.
وفي السياق ذاته، لفت الأديب المصري نجيب محفوظ إلى الوجه الآخر للاعتياد، إذ رأى أن العادة كفيلة بأن تجعل الألم غير أليم، مما يعني أن بعض ضروب الاعتياد ضرورة نفسية لاستمرار الحياة.
غير أن المشكلة الحقيقية تكمن حين يطال الاعتياد علاقة الإنسان بنعم الله، وهو ما نبّه إليه ابن قيم الجوزية بعبارة بالغة الأثر، إذ رأى أنه ليس على العبد أضرّ من ملَلِه نعمَ الله، لأنه حينئذ لا يراها نعمة ولا يشكره عليها.
وتأكيدا على هذا المعنى، قسّم ابن القيم النعم 3 أقسام: نعمة حاصلة يعلمها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها، وهذا القسم الثالث هو ثمرة الاعتياد المذموم بعينه.
وفي المقابل، لا تعني الإجابة عن إشكالية الاعتياد اليأسَ من التغيير، إذ رأى الأديب الأمريكي مارك توين أن التخلص من العادة لا يكون برميها من النافذة، بل بإنزالها من الدرج خطوة خطوة، في مقاربة واقعية تُدرك صعوبة التحول وتضع له مسارا تدريجيا.
وانسجاما مع هذا التوجه، أشار الفيلسوف اليوناني فيثاغورس إلى أن اختيار الطريق الأفضل مهما بدا صعبا سيجعله التعود بعد قليل سهلا ومقبولا، مما يعني أن الاعتياد سلاح قابل للتوجيه نحو الخير.
وفي البُعد الروحي، فرّق الإمام محمد عبده بين نوعين من الرياء: رياء النفاق القائم على العمل من أجل رؤية الناس، ورياء العادة القائم على العمل من غير ملاحظة معناه وسرّه وفائدته، مشيرا إلى أن هذا الأخير هو حال أكثر الناس.
وعليه، فإن الخروج من أسر الاعتياد المذموم لا يكون إلا بالتفكر والتدبر، وهو ما أكده الخليفة عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- حين جعل التفكر في نعم الله أفضل العبادة.
وأكد البرنامج على وصية ابن القيم لمن قيّدته العادة وأعجزته، داعيا إلى رفع الهمة نحو رب المعالي، لأن الهمة العالية هي وحدها القادرة على كسر قيود الاعتياد والانطلاق نحو آفاق التأمل والشكر.
