في حوار لافت أجراه "بيل أداير"، وهو صحفي أمريكي بارز متخصص في الصحافة السياسية وتدقيق المعلومات، مع "برايان جاكوبس" مطور روبوت "توم ويكي أسيست TomWikiAssist"؛ كُشفت تفاصيل تجربة أثارت جدلا واسعا داخل مجتمع ويكيبيديا.
لم تكن القصة مجرد تجربة تقنية عابرة، بل تحولت إلى لحظة كاشفة لصدام عميق بين عالمين، عالم المعرفة التشاركية البشرية، وعالم الذكاء الاصطناعي القادر على الكتابة والتفكير واتخاذ القرار.
هكذا يمكن تلخيص الجدل الذي أثاره روبوت "TomWikiAssist"؛ الذي نجح في تحرير وكتابة مقالات داخل ويكيبيديا قبل أن يتم حظره، في إحدى أبرز الوقائع التي تضع مستقبل المحتوى المفتوح على المحك.
القصة بدأت حين لاحظ محررو ويكيبيديا نشاطا غير معتاد لحساب جديد ينشر تعديلات ومقالات بوتيرة عالية. لم يكن الأمر مجرد مساهم نشط، بل كيان يتخذ قراراته بنفسه، ويختار المواضيع التي يراها "مثيرة للاهتمام"، بل ويتفاعل مع المحررين برسائل مباشرة.
سرعان ما اتضح أن هذا المستخدم ليس بشريا، بل روبوت ذكاء اصطناعي طوره مهندس البرمجيات المخضرم برايان جاكوبس، ويعمل اعتمادا على نموذج "كلود".
اللافت أن الروبوت لم يحاول إخفاء هويته كليا؛ إذ أعلن بنفسه على صفحته أنه “مساعد ذكاء اصطناعي”، في خطوة وصفها مطوره بأنها “الأكثر أخلاقية”، خاصة أن إخفاء طبيعته كان سيعني خداع المجتمع التحريري.
يقول جاكوبس -في رده على أسئلة أداير- الذي يمتلك خبرة تتجاوز 20 عاما في هندسة البرمجيات، إن الفكرة بدأت بدافع الفضول، ماذا لو استطاع "وكيل ذكي" أن لا ينفذ المهام فقط، بل يقرر بنفسه ما يستحق الكتابة؟
بعد إعداد الحسابات التقنية، بدأ الروبوت العمل بشكل مستقل تقريبا. لم يكن يتلقى أوامر تفصيلية، بل توجيها عاما "اكتب ما تجده مثيرا للاهتمام".
النتيجة كانت مفاجئة حتى لصانعه؛ الروبوت لم يكتف بتحرير المقالات، بل أنشأ أخرى جديدة كليا، مثل موضوعات متخصصة كـ"التصنيع الهولوني" أو مفاهيم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أظهر سلوكا يشبه الموظف المبتدئ، يبرر قراراته ويحلل أسباب اكتشافه.
لكن هذه الاستقلالية كانت أيضا سبب سقوطه، فنمط الكتابة، وسرعة النشر، وعدد المقالات في وقت قصير، كلها مؤشرات أثارت شكوك المحررين.
الواقعة كشفت انقساما حادا داخل مجتمع ويكيبيديا؛ فبينما رأى فريق أن هذه التكنولوجيا تمثل فرصة يجب فهمها والاستفادة منها، تعامل فريق آخر معها بوصفها تهديدا وجوديا.
بعض المحررين وصفوا التجربة بأنها "مرعبة" و"صادمة"، وهو ما فاجأ جاكوبس نفسه، الذي قال إنه لم يتوقع هذا المستوى من الرفض أو القلق.
هذا الانقسام يعكس إشكالية أعمق، ويكيبيديا ليست مجرد منصة نشر، بل مجتمع قائم على مساهمات بشرية تطوعية. دخول كيان غير بشري قادر على إنتاج محتوى قد يهز هذا الأساس.
القلق لم يكن تقنيا فقط، بل فلسفيا أيضا، فوجود روبوت قادر على كتابة مقالات موسوعية يطرح أسئلة جوهرية:
ورغم أن الروبوت حاول الالتزام بالقواعد، فإن طبيعته "المنهجية" في الكتابة كانت بحد ذاتها علامة على كونه غير بشري، بحسب تقديره هو نفسه.
من أبرز النقاط التي طرحها جاكوبس أن أدوات الذكاء الاصطناعي قد تزيل "الحواجز التقنية" أمام المساهمة في ويكيبيديا، مثل تعقيدات التنسيق والتوثيق.
بعبارة أخرى، يمكن لأي شخص أن يطلب من وكيل ذكي إنشاء مقال كامل خلال دقائق، وهو ما قد يفتح الباب أمام مشاركة أوسع.
لكن هذا الطرح قوبل برفض واسع من المحررين، الذين يرون أن هذه "السهولة" قد تؤدي إلى إغراق الموسوعة بمحتوى ضعيف أو غير دقيق، خاصة أن النماذج اللغوية قد تنتج أخطاء أو معلومات غير موثوق بها.
جاكوبس نفسه يعترف بأن ما حدث يتجاوز مجرد تجربة بالنسبة له، هذه الواقعة دليل على أن العالم دخل مرحلة جديدة؛ فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة مساعدة فقط، بل أصبح "فاعلا مستقلا". والوكلاء الأذكياء قادرون على اتخاذ قرارات، وليس فقط تنفيذ أوامر، والحدود بين الإنسان والآلة في إنتاج المعرفة بدأت تتلاشى.
ويحذر من أن استخدام هذه التكنولوجيا لن يكون دائما "بنية حسنة" كما في حالته، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة.
ورغم دفاعه عن التجربة، أقر جاكوبس بمسؤوليته الكاملة عن الروبوت، قائلا إن أي خطأ يصدر عنه يقع على عاتقه.
كما أبدى في الحوار شيئا من "الندم الجزئي"، ليس على الفكرة نفسها، بل على الأثر النفسي الذي تركته لدى بعض المحررين، الذين شعروا بالارتباك أو التهديد.

روبوت يحرر الموسوعة.. صدمة ويكيبيديا تكشف مستقبل المعرفة
٢٩ مارس ٢٠٢٦
٣ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)