ظهر الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، دخل مراهق في سن 16 مدرسة "سيلفر ريل" الابتدائية بمدينة بِند بولاية أوريغون، وقتل 3 أطفال ومعلمة داخل فصل للتربية الخاصة، وأصاب شخصين آخرين بجروح حرجة. وانتهى الهجوم حين أطلق عليه والد طالبتين في المدرسة النار فقتله.
بدأ الهجوم حين ألقى المراهق بندقيته فوق سور المدرسة وتسلقه إلى ساحتها. وشاهده سائق شاحنة صغيرة يمر قرب المكان وحاول التصدي له، فأطلق النار على مركبته وأصابها بـ3 طلقات على الأقل.
وابتعد السائق واتصل بالشرطة عند الساعة 12:59 ظهرا، فيما تابع المسلح طريقه إلى المبنى، واخترق أبوابه الخارجية المغلقة بإطلاق النار على زجاجها.
وداخل المدرسة، توجه مباشرة إلى الفصل الأول على يسار المدخل، المخصص للتربية الخاصة، حيث كان يوجد أطفال متفاوتو الأعمار. فأطلق نحو 15 طلقة، قبل أن تحاول معلمة إيقافه بإلقاء هاتفها نحوه والاشتباك معه لانتزاع السلاح.
وكان كايلَب جيامانكو، والد طالبتين في المدرسة، قد شاهد إطلاق النار على الشاحنة، فتوقف في موقف السيارات وأخذ مسدسه من سيارته، ثم تبع المهاجم إلى الداخل. ولدى رؤيته المعلمة تحاول السيطرة على المسلح، أطلق عليه النار بمسدسه من عيار 40 وأرداه قتيلا. ويحمل جيامانكو تصريحا بحمل سلاح مخفي.
ووصلت الشرطة عند الساعة 1:02 ظهرا، بعد نحو 3 دقائق من البلاغ الأول، وعثرت بحوزة المراهق وفي حقيبته على نحو 44 طلقة متبقية.
وأسفر الهجوم عن مقتل المعلمة ميغان لامبرت (25 عاما) والطفل رووم سَمَر (5 أعوام) وطفلين في سن 8 و11، ولم تُعلن أسماؤهما بناء على رغبة أسرتيهما، وفق تصريح رئيس شرطة بِند مايك كرانتز، إضافة إلى إصابة طفلة في السابعة والمساعدة التعليمية بيكي دروري (54 عاما) بجروح حرجة.
وفي نعي لامبرت، وصفت أسرتها التدريس بالنسبة للقتيلة بأنه "وظيفة أحلامها" مستذكرة دفاعها الدائم عن الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
وحددت الشرطة المنفذ بأنه غريفين جيه. جون الثاني، من سكان "بِند". وكان قد درس في المدرسة نفسها ضمن برامج التربية الخاصة، لكنه كان خارج سجلات المنطقة التعليمية وقت الهجوم. واستخدم بندقية خرطوش من طراز "مافريك 88" عيار 12 تعمل بالمضخة، اشترتها والدته قانونيا قرب عيد ميلاده في أغسطس/آب. واعتذرت باكية للضحايا وأسرهم، وامتنعت عن شرح كيفية حصول ابنها على السلاح.
سجلت المدارس الأمريكية، من الروضة حتى الصف الـ12، عدد 26 حادثة إطلاق نار أوقعت قتلى أو مصابين حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2026، متجاوزة حصيلة عام 2025 كاملا البالغة 18 حادثة، بحسب متتبع "إديوكيشن ويك" (Education Week). وأسفرت حوادث العام عن مقتل 17 شخصا، بينهم 9 أطفال، وإصابة 26 آخرين.
وكان هجوم بِند الأكثر دموية بين هذه الحوادث، وأصبح الطفل رووم سَمَر أصغر ضحية منذ بدء التتبع عام 2018. وخلال الفترة نفسها، سجل عام 2022، الذي شهد مجزرة يوفالدي، أعلى حصيلة بواقع 51 حادثة.
ويتسع نطاق الإحصاءات لدى جهات أخرى تبعا لتعريفها لإطلاق النار المدرسي، إذ تضم "سي إن إن" الجامعات إلى إحصائها، وقد سجلت 52 حادثة خلال 2026، أسفرت عن 28 قتيلا و48 مصابا.
أما "قاعدة بيانات إطلاق النار في مدارس الروضة حتى الصف الـ12" فتشمل كل إطلاق نار داخل الحرم المدرسي، بما في ذلك الوقائع التي لم تسفر عن إصابات، لتبلغ حصيلتها نحو 146 حادثة حتى أوائل أكتوبر/تشرين الأول.
على المستوى الجغرافي، تصدرت تكساس عدد الحوادث منذ 2008 بما لا يقل عن 71 حادثة، فيما سجلت واشنطن العاصمة أعلى معدل قياسا إلى عدد السكان. وخلال 2026، جاءت كاليفورنيا في المقدمة بعدد 6 حوادث.
وتعكس هذه الحصيلة جانبا من أزمة العنف المسلح في الولايات المتحدة، حيث تتصدر إصابات الأسلحة النارية أسباب الوفاة بالفئة العمرية من عام إلى 19 عاما.
شكّل هجوم مدرسة كولومباين في كولورادو عام 1999 نقطة تحول في الوعي الأمريكي بالعنف المدرسي، بعدما قتل طالبان 12 من زملائهم ومعلما. وفي أعقابه، توسعت المدارس في اعتماد إجراءات الإغلاق وتدريبات التعامل مع اقتحام المسلحين.
وعاد الجدل بقوة بعد مجزرة "ساندي هوك" عام 2012، حين قتل شاب في العشرين 20 طفلا و6 بالغين بأسلحة والدته. وأطلقت المجزرة محاولة لتوسيع فحوص الخلفية للراغبين في شراء السلاح، والتي تعثرت لاحقا في مجلس الشيوخ.
أما هجوم "باركلاند" عام 2018، الذي قتل فيه طالب سابق 17 شخصا، فدفع فلوريدا إلى رفع سن شراء الأسلحة إلى 21 عاما، وإقرار قانون يتيح سحبها مؤقتا ممن يشكلون خطرا على أنفسهم أو الآخرين. ومن بين الطلاب الناجين انطلقت حركة "مسيرة من أجل حياتنا" (March for Our Lives)، مطالبة بتشديد قوانين السلاح.
برزت مسؤولية الأسرة في قضية مدرسة أوكسفورد بميشيغان عام 2021، حين قتل فتى في الـ15 عدد 4 طلاب بمسدس اشتراه والداه. وعام 2024، أُدين الوالدان بالقتل غير العمد، في سابقة قضائية تتعلق بمسؤولية الأهل عن وصول أبنائهم إلى السلاح.
وفي يوفالدي عام 2022، قتل شاب في الـ18 عدد 19 طفلا ومعلمتين بأسلحة اشتراها قانونيا. وأثار تأخر تدخل الشرطة انتقادات واسعة، فيما أقر الكونغرس عقب المجزرة قانونا جديدا لتعزيز السلامة من العنف المسلح.
وتجدد النقاش بشأن مسؤولية الأهل بعد هجوم مدرسة أبالاتشي بجورجيا عام 2024، الذي استخدم فيه فتى في سن 14 بندقية قدمها له والده، لتطول الملاحقة الجنائية الأب أيضا.
وتكشف هذه الوقائع تكرار الحصول على الأسلحة من داخل الأسرة أو عبر الشراء القانوني، إلى جانب وجود صلة سابقة بين عدد من منفذي الهجمات والمدارس التي استهدفوها.
حللت دراسة للمركز الوطني لتقييم التهديدات، التابع للخدمة السرية الأمريكية، 41 هجوما مدرسيا وقعت بين عامي 2008 و2017. واستخدم 61% من المهاجمين أسلحة نارية، وحصل 76% من هؤلاء على السلاح من منزل أحد الوالدين أو الأقارب. ورصدت الدراسة ظروفا منزلية سلبية لدى نحو 94% منهم، وتعرض نحو 80% للتنمر، وكانت الضغائن تجاه الزملاء من أكثر الدوافع شيوعا.
وكشفت الدراسة أن 80% من المدارس المستهدفة كانت تطبق إجراءات أمنية، مثل تأمين الأبواب ومراقبة الدخول، في حين امتلكت 17% فقط نظاما يتيح الإبلاغ عن التهديدات والسلوكيات التي قد تنذر بالعنف.
ويدعو المختصون إلى الانتباه لمؤشرات منها:
وتوصي الخدمة السرية بإنشاء فرق مدرسية لتقييم التهديدات، وقنوات إبلاغ آمنة للطلاب والأسر، لأن الزملاء والأهل يكونون غالبا أول من يلاحظ التغيرات. ويتركز التقييم على السلوك وإمكان الوصول إلى السلاح، لا على الوصم بالاضطرابات النفسية أو الإعاقات النمائية.
يسمح القانون الفدرالي بشراء البنادق من تاجر مرخص ابتداء من سن 18 عاما، والمسدسات من سن 21 عاما. ومنذ إقرار قانون جديد عام 2022، يخضع المشترون دون 21 عاما لتدقيق إضافي في سجلاتهم، قد يستغرق 10 أيام عمل. وتضع كل ولاية شروطا إضافية تتعلق بشراء السلاح وحيازته وحمله وتخزينه.
أقرت أوريغون عام 2021 قانونا يلزم أصحاب الأسلحة بحفظها في أماكن مقفلة أو تزويدها بأقفال أمان، وسط تقارير محلية عن محدودية تطبيقه. وعام 2022، وافق ناخبو الولاية على اشتراط الحصول على تصريح وتلقي تدريب قبل شراء السلاح، وحظر خزن الأسلحة التي تزيد سعتها على 10 طلقات. وتعطل تطبيق هذه الإجراءات بسبب الطعون القضائية.
وتتبنى ولايات أخرى قوانين "العلم الأحمر" (Red Flag) التي تسمح للمحاكم بمنع شخص مؤقتا من حيازة السلاح إذا ظهرت أدلة على أنه يشكل خطرا على نفسه أو الآخرين. ومن بينها ولاية مين، التي أقر ناخبوها هذا الإجراء عقب هجوم لويستون عام 2023.
وفي قضية بِند، يحقق المختصون في كيفية تخزين البندقية ووصول المراهق إليها، وهي تفاصيل ستحدد إمكان مساءلة والدته قانونيا.
وعلى المستوى الفدرالي، تواجه محاولات تشديد القوانين عقبات دستورية وسياسية. فالتعديل الثاني للدستور يحمي حق امتلاك السلاح، وقد أكدت المحكمة العليا عام 2008 أنه حق فردي. ثم اعتمدت عام 2022 معيارا يقتضي الاستناد إلى سوابق تاريخية في تنظيم السلاح لتبرير القيود الجديدة. وفي يونيو/حزيران 2026، ضيقت المحكمة نطاق تطبيق الحظر الفدرالي على حيازة السلاح في قضية تتعلق بتعاطي الماريغوانا.
ويصعّب الانقسام الحزبي إقرار قوانين جديدة، إذ يحتاج تجاوز العرقلة الإجرائية في مجلس الشيوخ عادة إلى 60 صوتا. وعام 2022، توافق الحزبان على قانون عزز التدقيق في سجلات مشتري السلاح الأصغر سنا، وموّل الصحة النفسية وأمن المدارس. ثم أصدر الرئيس دونالد ترمب في فبراير/شباط 2025 أمرا تنفيذيا لحماية حقوق امتلاك السلاح.
وبحسب غالوب، تراجع تأييد تشديد قوانين بيع السلاح من 66% بعد مجزرة يوفالدي عام 2022 إلى 52% عام 2025. ويعكس استطلاع أكتوبر/تشرين الأول 2022 حجم الخلاف الحزبي، إذ أيد التشديد 86% من الديمقراطيين مقابل 27% من الجمهوريين، بينما يقول نحو 44% من البالغين إن في منازلهم سلاحا.
يطالب مؤيدو التشديد بتوسيع فحوص الخلفية لتشمل المبيعات الخاصة، ورفع سن الشراء، وفرض التخزين الآمن، وحظر بعض الأسلحة. ويرون في وصول مراهق بِند إلى بندقية والدته مثالا على أهمية ذلك.
بينما يقدم المدافعون عن حق حمل السلاح أولويات أخرى: الحراس المسلحين، وتحصين المباني، وتسليح المعلمين المؤهلين، وتوسيع العلاج النفسي. ويستشهدون بتدخل الأب المسلح الذي أنهى الهجوم. وظهر هذا الانقسام في ردود الفعل، فقد دعا السيناتور الديمقراطي جاك ريد إلى التشديد، بينما أشاد ترمب بالأب.
وتختلف قوة الأدلة العلمية بين هذه الإجراءات. فمراجعات مؤسسة "راند" تمنح قوانين منع وصول الأطفال إلى السلاح مكانة متقدمة في خفض جرائم القتل والإصابات الذاتية بين الصغار. وتجد أدلة متوسطة على أثر فحوص الخلفية، بينما صنفت أدلة قوانين "العلم الأحمر" عام 2020 بأنها غير حاسمة. أما إجراءات تحصين المدارس فأدلة فعاليتها في منع الهجمات محدودة، وقد ترتبط بتراجع شعور بعض الطلاب بالأمان. وتسمح 29 ولاية على الأقل بتسليح بعض العاملين في المدارس، وسط معارضة من معلمين وقادة شرطة ونقص في الأدلة.
قدرت "واشنطن بوست" (The Washington Post) أن نحو 400 ألف طالب تعرضوا للعنف المسلح في مدارسهم منذ كولومباين حتى 2025. وكان التعرض أعلى بين الطلاب من أصول لاتينية وأفريقية بنحو الضعفين و3 أضعاف على التوالي، مقارنة بالطلاب البيض.
وتمتد الآثار طويلا بعد الهجوم. فقد ارتفع استخدام الشباب لمضادات الاكتئاب في محيط المدارس التي شهدت إطلاق نار قاتلا بنحو 21% خلال العامين التاليين. وفي تكساس، ارتبط التعرض لإطلاق النار بانخفاض احتمالات إكمال الدراسة والالتحاق بالجامعة، ثم بتراجع الدخل منتصف العشرينيات. كذلك قد تزيد تدريبات الإغلاق القلق بحسب طريقة تنفيذها. ويطرح استهداف فصل للتربية الخاصة حاجة إلى تكييف خطط الطوارئ مع قدرات الطلاب ذوي الإعاقة على الحركة والتواصل وفهم التعليمات.
يبقى أمام التحقيق في بِند أن يجيب عن 3 أسئلة: كيف وصل المراهق إلى البندقية والذخيرة؟ وما الذي سبق الهجوم من سلوك أو تهديدات؟ ولماذا توجه إلى فصل التربية الخاصة؟ وستمتد تبعات الإجابات إلى مساءلة الأسرة، واختبار جدية قانون التخزين الآمن في أوريغون، ومراجعة قدرة المدارس على حماية جميع طلابها.

بعد مقتل 3 تلاميذ ومعلمتهم.. لماذا يتكرر إطلاق النار في مدارس أمريكا؟
١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
٢١ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)