في الهيكل الرسمي لإيران، تتوزع السلطة بين القيادة الدينية، والسياسيين المنتخبين، والقوات المسلحة. ولكن خلف الأسوار العالية لحي الحكم في طهران، يروي التوزيع الفعلي للسلطة حكاية مختلفة تماماً. تأسس "الحرس الثوري الإيراني" عام 1979 كقوة عقائدية لحماية النظام الثوري الفتي، وصُمم ليكون ثقلاً مقابلاً للجيش التقليدي. وبعد أربعة عقود، امتد نفوذه إلى ما هو أبعد بكثير من الثكنات العسكرية. لقد تحول الحرس الثوري إلى مؤسسة ضخمة تشكل السياسة الداخلية، وتوجه الاستراتيجية الإقليمية، وتسيطر على قطاعات اقتصادية واسعة. ويطرح هذا التوسع سؤالاً محورياً لدى المراقبين: هل تجاوزت المؤسسة العسكرية الساسة المنتخبين بشكل دائم؟ من حراس للثورة إلى إمبراطورية اقتصادية بدأ تحول الحرس الثوري من قوة أمنية إلى إمبراطورية اقتصادية بعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية عام 1988. تطلبت مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب بنية تحتية صناعية ضخمة، فلجأت قيادة الدولة إلى الذراع الهندسية للحرس الثوري، المعروفة باسم "مقر خاتم الأنبياء". وعلى مدى العقود التالية، ساهمت العقوبات الاقتصادية الدولية في تسريع هذا النمو الاقتصادي. ومع خروج الشركات الأجنبية من السوق تراجع النفوذ السياسي للمسؤولين المنتخبين، بمن فيهم رئيس الجمهورية والبرلمان، بشكل مستمر لصالح القيادة العسكرية العليا. ولا يبدو هذا التحول واضحاً في أي مجال كما هو واضح في الشؤون الخارجيةالإيرانية تحت ضغط القيود التجارية الغربية، شغلت الشركات التابعة للحرس الثوري المساحات الشاغرة، وهيمنت على قطاعات الطاقة، والاتصالات، والمصارف، والنقل، والإنشاءات. واليوم، يقدر الخبراء الاقتصاديون المستقلون أن الكيانات المرتبطة بالحرس الثوري تسيطر على جزء كبير من الاقتصاد الوطني. ويخلق هذا الاستقلال الاقتصادي ميزة سياسية تعزز نفسها بنفسها؛ فالموارد المالية المستقلة تسمح للحرس الثوري بتمويل عملياته دون الاعتماد على مخصصات الميزانية البرلمانية. فضلاً عن ذلك، يمنح هذا الاستقلال القادة العسكريين نفوذاً مباشراً على الوزارات الحكومية المدنية. وعندما يحاول المسؤولون المنتخبون إصلاح القوانين التجارية أو تعديل الدعم الحكومي، يجدون أنفسهم مضطرين للتفاوض المباشر مع قيادة الحرس الثوري. تحييد السياسة الخارجية والدبلوماسية لقد تراجع النفوذ السياسي للمسؤولين المنتخبين، بمن فيهم رئيس الجمهورية والبرلمان، بشكل مستمر لصالح القيادة العسكرية العليا. ولا يبدو هذا التحول واضحاً في أي مجال كما هو واضح في الشؤون الخارجية، فالقرارات المتعلقة بالأمن الإقليمي والتحالفات تُصنع إلى حد كبير داخل "فيلق القدس"، وهو الذراع المكلفة بالعمليات الخارجية للحرس الثوري. وغالباً ما تلعب الدبلوماسية الرسمية دوراً ثانوياً أمام الوقائع العسكرية على الأرض. وفي العواصم الإقليمية الرئيسية، تُدار العلاقات الاستراتيجية عبر القادة العسكريين بدلاً من السفراء التقليديين، وعندما يحاول وزراء الخارجية المدنيون التوصل إلى اتفاقات دبلوماسية مع القوى الغربية أو الإقليمية، غالباً ما تصطدم جهودهم بقيود المؤسسة الأمنية. إن المبادرات العسكرية والاستعراضات الدفاعية تتزامن في كثير من الأحيان مع المحادثات الدبلوماسية الدقيقة، مما يبعث برسالة إلى المراقبين الخارجيين مفادها أن القرار النهائي في قضايا الأمن الاستراتيجي بید القادة العسكريين، لا الدبلوماسيين. السيطرة الداخلية والدولة الأمنية مع تزايد التحديات السياسية الداخلية والصعوبات الاقتصادية داخل إيران، اعتمدت الدولة بشكل أكبر على الحرس الثوري وقوات "البسيج" التابعة له للحفاظ على النظام الداخلي. وقد أدى هذا الاعتماد على القوات الأمنية خلال الأزمات الداخلية إلى تثبيت الموقع السياسي للقيادة العسكرية بدرجة أكبر.جمهورية إيران الإسلامية، التي تأسست في الأصل كنظام ديني بملامح جمهورية، باتت تعمل بشكل متزايد كدولة ذات طابع أمني. يستمر السياسيون المنتخبون في إدارة الشؤون الإدارية اليومية، لكن التوجه الاستراتيجي طويل المدى -الذي يشمل السياسة الاقتصادية، والدبلوماسية الإقليمية، والأمن الداخلي- يظل تحت توجيه الحرس الثوري وبدلاً من الاستجابة للمطالب الشعبية عبر تعديلات في السياسات السياسية أو إصلاحات انتخابية، منح الهيكل السياسي الأولوية للحلول الأمنية، وأصبح ضباط الحرس الثوري السابقون يشغلون العديد من المناصب السياسية، بما في ذلك مقاعد البرلمان، ومناصب المحافظين، والتعيينات الإدارية في الأقاليم. ونتيجة لذلك، أصبح الخيط الفاصل بين الإدارة المدنية والإدارة العسكرية واهناً للغاية. ومع انعكاس ضعف الإقبال في الانتخابات الأخيرة على شكوك الشارع تجاه جدوى المجالس المنتخبة، وجد السياسيون المدنيون أنفسهم مهمشين بين القيادة الدينية العليا والمؤسسة العسكرية. الحكام الحقيقيون لمرحلة الخلافة يتركز الاختبار النهائي للسلطة المؤسسية في إيران حول ملف الخلافة السياسية. تاريخياً، استقرت السلطة الدستورية العليا في مكتب المرشد الأعلى، ومع ذلك، وبينما يستعد النظام السياسي لمراحل الانتقال القيادي في المستقبل، فرض الحرس الثوري نفسه كفاعل رئيس لا غنى عنه لضمان استمرار الدولة. وبفضل سيطرته على شبكات الاستخبارات، وقنوات الاتصال، والأمن الداخلي، يمتلك الحرس الثوري القدرة التنظيمية على إدارة المراحل الانتقالية السياسية. إن أي مرشح مستقبلي للقيادة التنفيذية العليا أو الدينية يحتاج إلى دعم صريح أو توافق من القيادة العسكرية لضمان الاستقرار المؤسسي. لم يعد الحرس الثوري مجرد أداة لتنفيذ القرارات التي يتخذها السياسيون، بل أصبح يشارك مباشرة في اختيار من يتخذ تلك القرارات. واقع مؤسسي جديد تشير الديناميكيات السياسية داخل طهران إلى تحول دائم في موازين القوة، فجمهورية إيران الإسلامية، التي تأسست في الأصل كنظام ديني بملامح جمهورية، باتت تعمل بشكل متزايد كدولة ذات طابع أمني. يستمر السياسيون المنتخبون في إدارة الشؤون الإدارية اليومية، لكن التوجه الاستراتيجي طويل المدى -الذي يشمل السياسة الاقتصادية، والدبلوماسية الإقليمية، والأمن الداخلي- يظل تحت توجيه الحرس الثوري. لم يقتصر الأمر على نمو الحرس الثوري إلى جانب المؤسسات السياسية في إيران، بل إن المؤسسة العسكرية قد أعادت إعادة هيكلة نظام الحكم برمته حول وجودها. المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

هل تجاوز الحرس الثوري الساسة المنتخبين في إيران؟
٩ أغسطس ٢٠٢٦
٢١ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)