يجمع معرض النيابة العامة الدولي للكتاب في العاصمة الليبية طرابلس بين عرض الإصدارات المحلية والعربية والدولية، وفتح نقاشات تتجاوز الأدب والفكر إلى قضايا الهوية والتحولات الرقمية والأمن السيبراني، في محاولة لتقديم الكتاب بوصفه مدخلا إلى المعرفة والحوار المجتمعي، لا مجرد مادة للقراءة والاقتناء. وتقام الدورة الثالثة من المعرض تحت شعار "الأثر والتجديد"، بتنظيم من مركز البحوث الجنائية والتدريب، وبرعاية مكتب النائب العام، وبمشاركة وزارة الثقافة والتنمية المعرفية. وافتتحت الدورة رسميا في 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، فيما انطلقت الفعاليات الثقافية واستقبال الجمهور في اليوم التالي المقرر لهما، الخميس 15 أكتوبر، عقب تأجيلهما بسبب الأمطار الغزيرة التي شهدتها طرابلس ومحيطها. وتشارك في المعرض نحو 440 دار نشر من 29 دولة، وتضم المعروضات عشرات الآلاف من العناوين في مجالات الأدب والتاريخ والفكر والقانون والعلوم الإنسانية، إلى جانب المؤلفات العلمية والتخصصية. الشعر والأدب الليبي في صدارة البرنامج احتلت الأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية مساحة بارزة في البرنامج الثقافي، الذي سعى إلى جمع أصوات من أجيال ومناطق ليبية مختلفة، وإتاحة المجال أمام الأدباء والكتاب للتواصل المباشر مع الجمهور ومناقشة تجاربهم الإبداعية. وشمل البرنامج لقاءات مع الكاتب والشاعر عمر عبد الدايم، وحوارا مع الكاتب المسرحي علي الفلاح أدارَه عطية باني، إلى جانب أمسية للشعر المحكي شارك فيها الشاعر محمد الدنقلي وشاعر من الجزائر. كما تضمن لقاءات مع عدد من الكتاب والمثقفين، بينهم سالم العبار والصديق بودوارة، واستضاف الروائي الإماراتي أحمد بالفال. وفي جلسات أخرى، حضرت أسئلة السرد والرواية والتاريخ والنسيان، من خلال نقاشات تناولت تجربة الكاتب عبد الحفيظ العابد، ولقاءات مع روائيين ليبيين، بما يعكس اتساع البرنامج من الاحتفاء بالنصوص إلى مناقشة سياقات إنتاجها وتحولاتها. ولم يقتصر الحضور الأدبي على الفعاليات المباشرة؛ إذ عرضت دور نشر ليبية أعمالا روائية ودواوين شعرية وكتبا في النقد والتاريخ والفلسفة، إلى جانب إصدارات تتناول التجربة المحلية وتاريخ البلاد وتنوعها الاجتماعي والثقافي. وتبرز أهمية هذا الجانب في إتاحة مساحة للإنتاج الليبي داخل معرض ذي مشاركة دولية واسعة، بما يفتح أمام الكتاب المحليين فرصة للتعريف بأعمالهم، ويتيح للقراء الاطلاع على تجارب أدبية متنوعة، من الشعر الشعبي والمحكي إلى الرواية والكتابة الفكرية. الأمازيغية.. رحلة التأليف من جذور الهوية إلى آفاق التجديد وحضرت الهوية الأمازيغية في البرنامج الثقافي للمعرض من خلال حوارية بعنوان "من جذور الهوية إلى آفاق التجديد.. حكاية الأمازيغية عبر الزمن"، أُقيمت بالتعاون مع قناة الأمازيغية الليبية، وناقشت مسيرة التأليف في الأوساط الأمازيغية والمراحل التي مرت بها من العصور القديمة إلى العصر الحديث. وسلطت الحوارية الضوء على دور الكتابة والتأليف في حفظ الموروث الثقافي الأمازيغي وصون الذاكرة الجماعية، إلى جانب استكشاف التحولات التي عرفتها حركة الإنتاج المعرفي والأدبي عبر الأجيال، وما تعكسه من تفاعل بين التمسك بالجذور الثقافية ومتطلبات التجديد. وتتجاوز أهمية هذا النقاش استعراض تاريخ التأليف إلى إبراز علاقة اللغة بالهوية، ودور الإنتاج الثقافي في نقل التراث إلى الأجيال الجديدة، وإتاحة المجال أمام المكونات الثقافية الليبية للتعبير عن خصوصيتها والمشاركة في المشهد المعرفي الوطني. كما يسلط تنظيم الحوارية الضوء على أهمية الشراكة بين المؤسسات الثقافية والإعلامية في التعريف بالثقافة الأمازيغية، وتوسيع حضورها في الفضاء العام، بما يجعل معرض الكتاب منصة للحوار حول التنوع الثقافي الليبي، وليس مجرد مساحة لعرض الإصدارات وتبادلها. الأمن السيبراني.. الثقافة في مواجهة مخاطر العالم الرقمي إلى جانب الشعر والأدب، يتصل البرنامج المعرفي للمعرض بقضايا التكنولوجيا والتحول الرقمي، وهي موضوعات تزداد أهميتها مع توسع الاعتماد على المنصات الإلكترونية وتنامي المخاطر التي تهدد البيانات والخصوصية والأطفال في الفضاء الرقمي. وشهدت الدورات السابقة للمعرض اهتماما واضحا بالأمن السيبراني؛ إذ تناولت فعاليات النسخة الأولى عام 2024 موضوع "الثقافة السيبرانية: الأمن السيبراني"، مع التركيز على أهمية توفير بيئة تقنية آمنة للأطفال. كما شهدت الدورة الثانية عام 2025 جلسات توعوية تناولت مخاطر الجرائم الإلكترونية على حقوق الطفل. ويأتي هذا المسار في سياق اهتمام أوسع لدى مركز البحوث الجنائية والتدريب والجهات الليبية المعنية بأمن المعلومات بتطوير الوعي بالتهديدات الرقمية، وتعزيز حماية البيانات، ومواجهة الجرائم المعلوماتية. ولا تقتصر أهمية هذه الموضوعات على الجانب التقني؛ إذ ترتبط أيضا بالحقوق والحريات، وسلامة الأطفال، وقدرة المؤسسات على حماية المعلومات والتعامل مع الأدلة الرقمية. وتضمن المعرض جلسات تناولت مخاطر النيابات الإلكترونية، إلى جانب موضوعات عن الرقمنة والتحول الاجتماعي، وتأثير التطبيقات الذكية في الروابط الأسرية والاجتماعية، ومستقبل الكتابة الإبداعية في زمن الذكاء الاصطناعي. ويعكس ذلك اتساع النقاش من أمن الأجهزة والبيانات إلى تأثير التكنولوجيا في المجتمع والمعرفة والإبداع. بين وفرة العناوين وإتاحة المعرفة لا تقاس أهمية معرض الكتاب بعدد دور النشر أو حجم المعروضات وحدهما؛ إذ ترتبط أيضا بقدرته على بناء صلة مستمرة بين الكتاب والقارئ، ودعم النشر المحلي، وتوفير مصادر المعرفة للطلبة والباحثين، وإتاحة المجال أمام النقاش الثقافي والفكري. وفي هذا الجانب، يواجه المعرض تحديا يتجاوز التنظيم وتنوع المشاركات، يتمثل في قدرة القارئ الليبي على اقتناء الكتب في ظل الضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية. وقد أثارت تغطيات محلية هذا السؤال في ضوء ارتفاع أسعار بعض الإصدارات، مشيرة إلى أن اتساع المعروض لا يعني بالضرورة قدرة جميع الزوار على الشراء. ومن شأن المبادرات التي توسع الوصول إلى الكتاب، مثل تخفيضات الطلبة، ودعم المكتبات العامة والمدرسية والجامعية، وتوفير إصدارات بأسعار مناسبة، أن تمنح المعرض أثرا يتجاوز أيام انعقاده. وتستمر فعاليات الدورة الثالثة حتى 24 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، في وقت يسعى فيه المعرض إلى تثبيت حضوره ضمن المواعيد الثقافية الدورية في ليبيا. وبين الشعر والأدب والهوية والأمن الرقمي، تتسع صورة الكتاب ليصبح مساحة يلتقي فيها التراث بالتجديد، والإبداع بالمعرفة، والأسئلة الثقافية بالتحديات التي يفرضها العالم المعاصر. الثقافة في ظل الانقسام بين الشرق والغرب ولا تنفصل حركة المعارض الثقافية في ليبيا عن واقع الانقسام السياسي والمؤسسي بين شرق البلاد وغربها، الذي يطرح تساؤلات بشأن انعكاساته على المشهد الثقافي ومدى القدرة على بناء فضاء وطني مشترك للمعرفة والإبداع. ففي الوقت الذي تحتضن فيه طرابلس معرض النيابة العامة الدولي للكتاب، تستعد بنغازي لتنظيم النسخة الخامسة من معرضها الدولي للكتاب في مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، في مشهد يعكس تعدد الفعاليات الثقافية وتوزعها جغرافيا ومؤسسيا. ورغم استقلال المعرضين من حيث التنظيم والجهات المشرفة، فإن تزامنهما ضمن موسم ثقافي واحد يفتح المجال للتساؤل عن فرص التكامل بين المبادرات الثقافية في الشرق والغرب، وقدرتها على تجاوز خطوط الانقسام السياسي. فالمعارض لا تقتصر وظيفتها على عرض الكتب واستقطاب دور النشر، بل توفر أيضا مساحات للقاء الكتاب والباحثين والقراء، وتبادل التجارب والأفكار. ومن هنا، تبرز أهمية التنسيق بين المؤسسات الثقافية، وتسهيل مشاركة الناشرين والمبدعين من مختلف المناطق، بما يعزز التواصل الثقافي ويحافظ على المجال المعرفي الليبي بوصفه مساحة مشتركة، رغم استمرار الانقسام السياسي.

بين طرابلس وبنغازي.. هل تصنع معارض الكتاب جسورا ثقافية فوق الانقسام الليبي؟
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
٦٠ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)