حمل حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قمة "بريكس" في نيودلهي قيمة سياسية تجاوزت جدول الأعمال الرسمي. الاستقبال الحار الذي حظي به، وكثافة لقاءاته مع قادة المجموعة، ثم المواقف التي تضمنها "إعلان نيودلهي"، منحت موسكو مادة واضحة لمواجهة الرهان الغربي على تضييق حضورها الدولي. فالرئيس الروسي ظهر في عاصمة إحدى أكبر دول العالم وسط قادة تجمع يضم 11 دولة ويمثل نحو نصف سكان العالم، فيما تحولت ملفات العقوبات والتجارة والطاقة والمدفوعات إلى أرضية توافق واسعة داخل المجموعة. سبق القمة لقاء موسع بين بوتين ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي تناول التجارة والطاقة والدفاع والفضاء والتعاون الصناعي، ثم زار الزعيمان معاً معرض "إنوبروم الهند". وأكد الجانبان استمرار "الشراكة الاستراتيجية الخاصة والمتميزة"، مع هدف رفع التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار بحلول 2030 بعدما اقترب من 70 مليار دولار في السنة المالية 2024-2025. والحفاوة التي أحاطت ببوتين عكست متانة علاقة حافظت الهند على مسارها خلال سنوات الضغط الغربي، بما في ذلك استمرار مشترياتها من النفط الروسي باعتبار أمن الطاقة أولوية لاقتصادها. منصة نمو جديدة الحفاوة التي أحاطت ببوتين عكست متانة علاقة حافظت الهند على مسارها خلال سنوات الضغط الغربي، بما في ذلك استمرار مشترياتها من النفط الروسي باعتبار أمن الطاقة أولوية لاقتصادها استغل بوتين منتدى أعمال "بريكس" لعرض رؤيته للتحول الجاري في الاقتصاد العالمي، حيث تحدث عن "تحولات هيكلية عميقة" وانتقال جانب متزايد من النشاط والنمو إلى الاقتصادات الناشئة، ودعا إلى بناء "منصة جديدة ومستدامة للنمو العالمي" تقوم على التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا وأنظمة المدفوعات. وهاجم العقوبات والقيود التجارية والضغوط الثانوية، معتبراً أنها أدوات تستخدم لحماية مواقع اقتصادية ومصالح قائمة. الأهم في طرح بوتين جاء في الأدوات التي اقترحها لترجمة هذا التحول. فموسكو تدفع نحو توسيع التسويات بالعملات المحلية، وربط قنوات الدفع والمراسلة المالية، وتطوير ممرات النقل، وتعزيز دور بنك التنمية الجديد في تمويل المشاريع. هذه الأولويات وجدت في نيودلهي أرضية مشتركة مع دول تبحث عن معاملات أسرع وأقل كلفة، ومساحة أوسع لاتخاذ قراراتها التجارية والمالية وفق مصالحها الوطنية. وتقاطع الخطاب الروسي مع توجه أوسع داخل القمة، فالرئيس الصيني شي جينبينغ دفع نحو "بريكس الكبرى" أكثر ترابطاً في التجارة والتمويل والتكنولوجيا، فيما ركز مودي على تعزيز دور الجنوب العالمي في صياغة القواعد والمؤسسات الدولية. بذلك، دخلت الرؤية الروسية ضمن مسار جماعي يتجه إلى زيادة وزن الاقتصادات الناشئة في إدارة الاقتصاد العالمي. بيان يوسع هامش موسكو وفّر "إعلان نيودلهي" لموسكو مكسباً يتجاوز لغة المجاملات السياسية، فقد أدان القادة الإجراءات القسرية الأحادية المخالفة للقانون الدولي، بما فيها العقوبات الاقتصادية والعقوبات الثانوية غير الصادرة عن مجلس الأمن، وأعربوا عن قلقهم من الرسوم والإجراءات غير الجمركية التي تشوه التجارة وتتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية. هذه الصياغات تتقاطع مباشرة مع اعتراضات موسكو على السياسات الغربية، وتمنح موقفها من العقوبات سنداً جماعياً من خلال تجمّع يضم قوى اقتصادية وسياسية كبيرة. وزادت السياسات الجمركية والعقوبات الأمريكية مساحة الالتقاء بين أعضاء تختلف حساباتهم في ملفات كثيرة. القمة أظهرت قدراً لافتاً من التوافق حيال رفض الإجراءات التجارية الأحادية وإصلاح المؤسسات الاقتصادية الدولية، في وقت تسعى فيه دول المجموعة إلى حماية قدرتها على المناورة بين القوى الكبرى. وفي المجال المالي، أقر الإعلان مواصلة تطوير المدفوعات العابرة للحدود، ودراسة ربط أنظمة الدفع والمراسلة المالية، وتوسيع التسويات والاستثمارات بالعملات المحلية، إلى جانب تعزيز تمويل بنك التنمية الجديد بهذه العملات. المسار تدريجي وعملي، ويزيد قدرة دول المجموعة على إجراء معاملاتها عبر قنوات متعددة ويمنح موسكو هامشاً أوسع في مواجهة القيود التي تطاول التحويلات والتمويل. الطاقة أضافت عنصراً مهماً، فالبيان شدد على استقرار الأسواق وتنوع الإمدادات ومرونة سلاسل التوريد والبنية التحتية، واعترف باستمرار الدور المهم للوقود الأحفوري في مزيج الطاقة العالمي، وخصوصاً لدى الاقتصادات الناشئة والدول النامية. هذه اللغة تكتسب وزناً خاصاً بالنسبة إلى روسيا، إحدى أكبر الدول المنتجة والمصدرة للطاقة، ومعها الهند والصين اللتان تمثلان سوقين رئيسيتين للنفط الروسي. رهان العزل يصطدم بالواقع بدت "بريكس" في هذه القمة إطاراً أكثر رسوخاً لهذا الاتجاه، فيما خرج بوتين منها بصورة تدعم رسالته الأساسية بأن روسيا تحتفظ بشركائها، وتوسّع قنواتها الاقتصادية والسياسية، وأن رهانات عزلها تصطدم بعالم أكثر استعداداً للتحرك خارج الاصطفافات الغربية تتضح الدلالة السياسية للحفاوة ببوتين عند وضعها إلى جانب حجم المجموعة وتركيبتها، فمجموعة "بريكس" تضم دولاً ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وأخرى تجمعها بموسكو شراكات استراتيجية، إلى جانب قوى تتباين حساباتها في الأمنـ والطاقة والتجارة. ومع ذلك، خرج القادة بتوافق واسع تناول العقوبات والرسوم والتجارة والمدفوعات وإصلاح المؤسسات الدولية، وهي ملفات تمس مباشرة أدوات النفوذ الاقتصادي الغربي. وامتد التوافق إلى الشرق الأوسط في مرحلة شديدة الحساسية، حيث جمعت القمة إيران والإمارات، واعتمد البيان موقفاً يدعو إلى ضبط النفس والحوار والديبلوماسية، فيما عقد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد لقاءً على هامشها. قدرة الهند على إخراج موقف مشترك من مجموعة بهذا التنوع أضافت وزناً سياسياً إلى القمة وإلى المنصة التي ظهر عليها بوتين. حصيلة نيودلهي منحت الرئيس الروسي أكثر من مشهد استقبال ناجح؛ موسكو وجدت أمامها تجمعاً يتوسع وزنه السكاني والاقتصادي، ويقترب في ملفات محددة من طروحات تدفع بها منذ سنوات، من رفض العقوبات الأحادية إلى توسيع استخدام العملات المحلية وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية. وفي الوقت نفسه، واصلت قوى كالهند والصين إدارة علاقتها بروسيا وفق حساباتها الخاصة، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من التعاون التجاري والسياسي. الحفاوة ببوتين جاءت في النهاية تعبيراً عن واقع أوسع من العلاقة الشخصية مع مودي، فنيودلهي أظهرت تقلص قدرة الغرب على فرض إطار موحد للعلاقة مع روسيا، مع اتساع مساحة الدول التي تضع مصالحها الوطنية في صدارة حساباتها. وبدت "بريكس" في هذه القمة إطاراً أكثر رسوخاً لهذا الاتجاه، فيما خرج بوتين منها بصورة تدعم رسالته الأساسية بأن روسيا تحتفظ بشركائها، وتوسّع قنواتها الاقتصادية والسياسية، وأن رهانات عزلها تصطدم بعالم أكثر استعداداً للتحرك خارج الاصطفافات الغربية. المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

بوتين في نيودلهي.. حفاوة "بريكس" تبدد رهانات العزل
٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦
٤٠ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)