شكل اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة مع إيران كابوسا سياسيا كبيرا لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ أطاح بالركائز الثلاث التي استندت إليها مسيرته السياسية، وتركه أمام معضلة أمنية جديدة. وفي ظل هذا المشهد، أشار تقرير لشبكة "بي بي سي" إلى أن الخيارات المتاحة أمام نتنياهو تبدو محدودة وغير مريحة، حيث لخص زعيم المعارضة يائير لابيد هذا المأزق خلال جلسة للكنيست يوم الاثنين بقوله: "إما مواجهة مباشرة ومدمرة مع أعظم حليف لنا، أو استسلام خاضع للمصالح الإسرائيلية". واستغل خصوم نتنياهو السياسيون وعدد من المعلقين الإعلاميين الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إليه، والتي تضمنت ألفاظا نابية، بعدما اعتبر أن نتنياهو أخطأ التقدير عندما أمر بتنفيذ ضربة على بيروت يوم الأحد، في وقت تتزايد فيه الحسابات المرتبطة بالانتخابات المقررة قبل نهاية أكتوبر. غير أن الضغوط لا تقتصر على خصومه، إذ تعكس تصريحات أعضاء من حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو، إضافة إلى وزراء اليمين المتطرف في حكومته، حجم التحديات التي يواجهها داخل معسكره السياسي نفسه، خصوصا في ما يتعلق بالمطلب الإيراني القاضي بأن يشمل وقف إطلاق النار "العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان". اظهار أخبار متعلقة وفي هذا السياق، كتب وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف، إيتمار بن غفير، عبر وسائل التواصل الاجتماعي يوم الاثنين: "اتفاق ترامب لا يُلزمنا. نحن لسنا شركاء في هذا الاتفاق الذي لا يضمن أمننا". من جهته، قال عضو الكنيست عن حزب الليكود أريئيل كالينر إن دولة الاحتلال ستواصل حماية نفسها، من دون أن يوضح ما إذا كان ذلك يعني استمرار الهجمات الإسرائيلية، مضيفا: "سنفعل ما نحتاج إلى فعله. ونتوقع من أصدقائنا أن يتفهمونا". وتابع كالينر قائلا: "أحيانا تكون هناك خلافات بين الحلفاء، وعلى الحلفاء أيضا أن يتفهموا حلفاءهم عندما يكونون في خطر". بدورها، أعربت سيما شاين، المسؤولة السابقة في الموساد والمتخصصة في الشأن الإيراني، عن استغرابها من الموقف الأمريكي، قائلة: "من الصعب فهم سبب قبول الأمريكيين بذلك". وأضافت أن السماح لإيران بتحديد ما سيحدث في لبنان يمنحها القدرة على مواصلة دعم حزب الله، ويضمن بقاء الحزب لاعباً سياسياً رئيسياً على الساحة اللبنانية. وأكدت شاين أن دولة الاحتلال غير راضية عن هذا الواقع، سواء على مستوى المؤسسة الأمنية أو السياسية. وفي مواجهة موجة الانتقادات المتصاعدة والغضب الممتد عبر مختلف التيارات السياسية، أبدى نتنياهو انزعاجه من تلميحات بعض الصحفيين مساء الاثنين بأنه أخفق في إدارة الملف. وقال خلال مؤتمر صحفي في القدس المحتلة: "لقد كرست معظم حياتي البالغة لهدف واحد منع إيران من امتلاك أسلحة نووية"، مضيفا: "سنفعل ما هو ضروري. أنا لا أقيّد نفسي بأي شكل من الأشكال في هذا الهدف: إيران لن تمتلك أسلحة نووية". وفي الوقت نفسه، أقر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بوجود خلافات في وجهات النظر بينه وبين ترامب في بعض الملفات. اظهار أخبار متعلقة وأوضح قائلا: "لقد عبرت عن آرائي في المناقشات، لكن لدينا مصالحنا الخاصة: أولا، عدم وجود تهديد نووي، ثانيا، لبنان لقد أنشأنا منطقة عازلة وسنبقى فيها ما دامت الضرورة قائمة". وأضاف: "كانت إيران تريد منا الانسحاب وهذا لم يحدث. هل تعرفون لماذا؟ لأنني كنت حازما جدا، حلفاؤنا الأمريكيون يحترمون هذا الإصرار. كما أننا نصر على الحفاظ على حريتنا العملياتية فإذا تعرضنا لهجوم أو تهديد، فإننا نرد". وعلى الرغم من أن نتنياهو اعتاد إعلان الانتصار سريعا في محطات سياسية وأمنية عديدة، يواجه اليوم مهمة أكثر تعقيدا في رسم مساره المقبل، فالأمن ظل لعقود حجر الأساس في الخطاب الذي يقدمه للناخب الإسرائيلي، غير أن تسويق هذه الرسالة أصبح أكثر صعوبة مع تطورات المرحلة الحالية. وبعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تبنى نتنياهو مقاربة أمنية أكثر هجومية تقوم على استباق التهديدات بدلا من احتوائها، معتبرا أن إعادة تشكيل الشرق الأوسط وإزالة التهديدات المحيطة بدولة الاحتلال تمثلان الحل للأزمة. وعلى الرغم من أن قوات الاحتلال الإسرائيلي دمرت جزءا كبيرا من غزة وقتلت أكثر من 73 ألف فلسطيني، وفقا لوزارة الصحة في غزة، لا تزال حركة المقاومة الإسلامية "حماس" تسيطر على نصف القطاع وتعيد ترسيخ نفوذها فيه، فيما بقيت خطة السلام التي توسطت فيها الولايات المتحدة والإدارة التي عينتها واشنطن لغزة عالقتين في حالة جمود، بعد ثمانية أشهر من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس. كما أدى النهج الأمني الجديد الذي تبناه نتنياهو إلى انتشار قوات الاحتلال الإسرائيلي في مساحات واسعة من غزة ولبنان وسوريا. ورغم أن هذا التوجه يحظى بتأييد شريحة كبيرة من الإسرائيليين ومن غير المتوقع أن ينتهي قبل الانتخابات، يفرض في المقابل ضغوطا كبيرة على الموارد العسكرية الإسرائيلية وقوات الاحتياط، من دون وجود مسار دبلوماسي واضح للخروج من الوضع الراهن. اظهار أخبار متعلقة ولم تؤدِ المواجهات المتكررة مع حزب الله والنظام الإيراني إلى القضاء على أبرز خصوم الاحتلال، بل انتهت إلى ترك طهران تحت قيادة أكثر تشددا، مع تراجع مستوى الخشية من القوة الأمريكية الإسرائيلية، وتنامي نفوذها عبر مضيق هرمز. وبذلك، يبدو أن الخصم الرئيسي لدولة الاحتلال أصبح يمتلك قدرا من التأثير على أهم حليف لها. وفي هذا الإطار، رأى داني سيترينوفيتش، الباحث البارز في الشأن الإيراني بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، أن الإخفاق الإسرائيلي يستوجب إعادة تقييم الاستراتيجية المتبعة تجاه طهران، وصياغة أولويات أكثر واقعية وأشد تقييدا. وكتب في مقال نشرته صحيفة "إسرائيل هيوم" أن أي تحرك عسكري إسرائيلي يُنظر إليه في واشنطن على أنه محاولة لإفشال الاتفاق، من المرجح أن يواجه رداً أمريكياً صارما. وأضاف أن الخيارات التي كانت متاحة خلال فترة إدارة باراك أوباما لم تعد قائمة تقريبا، موضحا أن بنيامين نتنياهو كان قادراً آنذاك على تجاوز البيت الأبيض من خلال حشد الدعم داخل الكونغرس والرأي العام الأمريكي، بينما أصبحت هذه الإمكانات محدودة للغاية في الوقت الراهن. ولطالما استند عرض نتنياهو السياسي للناخبين الإسرائيليين إلى فكرة أن سياساته ومهاراته السياسية توفر أفضل حماية من التهديدات الإقليمية، إلا أن هذا الوعد يبدو اليوم أقل قدرة على الصمود أمام الوقائع المتسارعة. وكان من الممكن أن يشكل تغيير النظام في إيران مخرجاً يعيد ترميم صورته السياسية وروايته الانتخابية، لكن المقاربة الأمنية الجديدة التي انتهجها وضعته في نهاية المطاف أمام خيارين صعبين: المواجهة أو الاستسلام، ليس في مواجهة خصم، وإنما في مواجهة حليف.

اتفاق واشنطن وطهران.. كيف تحول إلى كابوس سياسي يطارد نتنياهو؟
١٦ يونيو ٢٠٢٦
٢ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)