في زاوية معتمة من مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يتصاعد صوت أنين مولد كهربائي متهالك، يصارع ليبقى على قيد الحياة. هذا الصوت ليس مجرد ضجيج ميكانيكي، بل هو "جهاز إنعاش" لآلاف المرضى. في مكان آخر، يقف السائق أبو ياسر أمام محرك سيارته المفتوح، يحدق في بضع قطرات من "زيت محروق" معاد تدويره، وهو يعلم أن هذه القطرات قد تكون المسمار الأخير في نعش وسيلة رزقه الوحيدة. بين المولد الطبي ومحرك الشاحنة، تتكشف فصول "إبادة تقنية" صامتة يمارسها الاحتلال الإسرائيلي عبر منع دخول قطع الغيار والزيوت المعدنية. هنا في غزة، لم يعد الموت يأتي فقط من الصواريخ، بل يتسلل عبر "ترس" مكسور لا يجد بديلاً، أو "لتر زيت" غشّه الاحتكار، ليوقف ما تبقى من أوردة الحياة والإنتاج. لم تعد قطع الغيار والزيوت في قطاع غزة مجرد سلع تجارية، بل تحولت إلى محددات للبقاء. يوضح الأستاذ الدكتور سمير أبو مدللة، عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين، أن المولدات الكهربائية تحولت بفعل الحصار وانقطاع التيار الكهربائي الشامل إلى "العمود الفقري" للاقتصاد الغزي. يقول أبو مدللة لـ"عربي21": "أي نقص في الزيوت أو قطع الغيار لا يعني توقف ماكينة فحسب، بل يعني شللاً في المستشفيات، المخابز، محطات المياه، وشبكات الاتصالات. نحن أمام أزمة تحول قطعة غيار صغيرة إلى مفتاح لأزمة اقتصاد كلي". هذا التوصيف يفسر كيف يواجه الاقتصاد الغزي "موتاً بطيئاً"، حيث تآكلت القدرة الإنتاجية وسلاسل التوريد، مما كبد القطاع خسائر يومية تُقدر بملايين الدولارات نتيجة توقف عجلة الإنتاج وارتفاع البطالة بشكل غير مسبوق.إجراءات تقشفية إذا كان الاقتصاد ينزف، فإن القطاع الصحي يعيش مرحلة الاحتضار التقني. الدكتور خليل الدقران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، يصف المولدات الكهربائية بأنها "الشريان الرئيسي" الذي يغذي أقسام العناية المكثفة، الحضانات، ووحدات غسيل الكلى. يكشف الدقران في حديثه لـ"عربي21" عن واقع كارثي: "الاحتلال دمر أكثر من 50% من المولدات الرئيسية في المستشفيات، والمولدات المتبقية تعمل منذ ثلاث سنوات دون توقف. منع دخول الزيوت وقطع الغيار يعني حكماً بالإعدام على المرضى". ويضيف بمرارة أن المستشفيات اضطرت لاعتماد "إجراءات تقشفية" قاسية، عبر إطفاء الكهرباء عن أقسام غير حيوية لإنقاذ الأقسام التي لا يحتمل مرضاه انقطاع التيار لثوانٍ معدودة. اظهار أخبار متعلقة هذا العجز التقني يمتد ليشمل الأجهزة التشخيصية؛ فغزة اليوم تفتقر لجهاز رنين مغناطيسي (MRI) واحد يعمل، وأجهزة الأشعة المقطعية (CT) والـ (X-ray) متهالكة وتفتقر لقطع الغيار، مما يجعل التشخيص الطبي "ضرباً من التكهن" في حالات معقدة كثيرة.مشكلة سياسية بحتة في أروقة وزارة الصحة، يراقب المهندس بسام الحمادين، وكيل الوزارة المساعد لقطاع الهندسة والتجهيزات الطبية، تآكل المنظومة لحظة بلحظة. يؤكد الحمادين أن المشكلة ليست "تمويلية" بل "سياسية بحتة". ويكشف الحمادين لـ"عربي21" عن تفاصيل صادمة: "هناك قطع غيار تم شراؤها بتمويل من جهات مانحة وهي موجودة في القدس والضفة الغربية منذ أكثر من سنتين، لكن الاحتلال يرفض دخولها بشكل متعمد". ويضيف أن المولدات التي صُممت لتعمل كـ "احتياط" لساعة أو ساعتين، تُجبر الآن على العمل 24 ساعة يومياً لسنوات، مما حولها إلى كتل من الحديد المتهالك. ويحذر الحمادين من أن المنظومة دخلت "مرحلة الخطر الشديد" منذ شهرين، مشيراً إلى أن كميات الزيوت التي سُمح بدخولها مؤخراً تحت ضغط دولي لا تكفي إلا لشهر واحد فقط، بينما يبقى منع دخول "الفلاتر" وقطع الغيار عائقاً يحول دون أي صيانة حقيقية.شهادة من الميدان خارج أسوار المستشفيات، تروي قصص السائقين فصلاً آخر من المعاناة. أبو ياسر أبو الكاس، سائق يقضي أيامه في البحث عن "سولار صناعي" أو "زيت مستخدم"، يجسد مأساة العامل الفلسطيني. يقول أبو ياسر لـ"عربي21": "أقضي أياماً بانتظار المحرقة لتنتج لنا سولاراً بدلاً من المفقود. أما الزيوت، فالسوق غارق بالمغشوش والأسعار جنونية. تخيل أن لتر الزيت الجديد تجاوز الألف شيكل، مما اضطرنا لاستخدام الزيت المحروق، وهو ما دمر محرك سيارتي وكلفني تصليحه 7000 شيكل". يصف أبو ياسر لجوء السائقين لحلول "بدائية" وخطيرة، مثل تشغيل السيارة عن طريق "التعشيق" (الدفع) بسبب تلف البطاريات وعدم توفر بدائل، أو خلط أنواع رديئة من الوقود، وهي حلول تضمن استمرار العمل ليوم واحد، لكنها تسرّع من وتيرة تهالك المركبات. بالنسبة لأبي ياسر، تعطل السيارة ليس مجرد عطل ميكانيكي، بل هو "خسارة حياة" وانقطاع لقمة العيش عن عائلته.إبادة الإنتاج المحلي الوجه الآخر للحصار هو استهداف "ديمومة الحياة" عبر تدمير القطاع الصناعي. يشير الدكتور سمير أبو مدللة إلى أن شح الوقود والزيوت عطل سلسلة الإمداد بالكامل، مما أدى إلى توقف المصانع التي كانت تغطي جزءاً من احتياجات السوق المحلي. هذا التوقف لا يعني فقط فقدان السلع، بل يعني فقدان الوظائف وتآكل الخبرات التقنية. البدائل المحلية، مثل الطاقة الشمسية أو تدوير الزيوت، تبقى "حلولاً ترقيعية" أمام حجم الكارثة. فالطاقة الشمسية لا تشغل ماكينات ثقيلة، وإعادة تدوير الزيوت بطرق بدائية تؤدي إلى إتلاف المحركات على المدى المتوسط، مما يخدم سياسة الاحتلال في جعل غزة منطقة "غير صالحة للإنتاج".بيئة موبوءة لا تقتصر آثار نقص قطع الغيار على الماكينات، بل تمتد لتلوث الهواء والأرض. الدكتور خليل الدقران يحذر من كارثة بيئية ناتجة عن توقف مضخات الصرف الصحي ومعدات نقل النفايات الصلبة بسبب نقص المولدات وقطع غيار الشاحنات. اظهار أخبار متعلقة يقول الدقران: "مياه الصرف الصحي بدأت بالانتشار بين خيام النازحين، والنفايات تتراكم لأن الاحتلال يمنع إدخال الرافعات والحاويات. نحن نعيش في بيئة خصبة للأوبئة والقوارض، والسبب ببساطة هو غياب قطعة غيار لمضخة أو لتر زيت لشاحنة نفايات". إن ما يحدث في غزة هو "حصار تكنولوجي وميكانيكي" مدروس، يهدف إلى تجريد الإنسان من أدوات إنتاجه وسبل بقائه. قطعة الغيار الصغيرة التي يمنعها الاحتلال ليست مجرد قطعة حديد، بل هي حق في الحياة، وحق في العلاج، وحق في العمل. بينما تدير وزارة الصحة أزمتها بمحاولة توزيع العجز بالعدل بين الأقسام الطبية، لكن يظل السؤال معلقاً في هواء غزة المليء بدخان السولار الصناعي ورائحة الزيوت المحروقة: إلى متى سيظل العالم صامتاً أمام ماكينات تموت بصمت، وتجر معها آلاف الأرواح إلى هاوية الموت السريري؟ غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى الغذاء والكساء، بل تحتاج إلى "إطلاق سراح" قطع غيارها وزيوتها ومولداتها، لتستعيد قدرتها على التنفس والإنتاج، قبل أن تتوقف آخر أوردة الحياة فيها بفعل "صدأ" الحصار.

الماكينات تموت بصمت.. كيف يشل نقص "الزيوت وقطع الغيار" الحياة في غزة؟
٢٧ أبريل ٢٠٢٦
٤ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)