
تناول برنامج "قال الحكيم" خلال حلقة "عن الابتلاء" -التي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذه المعضلة الوجودية الكبرى، متنقلاً بين فلسفة العلم وحكمة الصوفية وكلام أهل المعرفة، بحثاً عن إجابة تُريح القلب وتُضيء الطريق.
ويربط العالم ألبرت آينشتاين بين الحقيقة والاختبار، إذ يرى أن الحقيقة هي ما يصمد أمام امتحان التجربة، وهذا المعنى يستحضره الإمام الجنيد البغدادي حين يصف الابتلاء بأنه "سراج العارفين ويقظة المريدين وهلاك الغافلين"، مُشيراً إلى أن الاختبار لا يُوجِد الإيمان بل يكشفه؛ فمن كان إيمانه حقيقياً جلّاه البلاء، ومن كانت غفلته عميقة زادها البلاء ظلمة.
وأمام السؤال الذي يحتار في إجابته كثيرون: هل يمكن أن تكون النعمة ابتلاءً؟ يجيب الإمام الغزالي -في "إحياء علوم الدين"- بأن كل نعمة دنيوية يجوز أن تصير بلاءً، وكل بلاء يجوز أن يصير نعمة.
ويضرب لذلك مثلاً حياً؛ فرُبّ عبدٍ تكون الخِيَرةُ له في الفقر والمرض، لأنه لو صح بدنه وكثر ماله لبطر وبغى، وهكذا يتحول الفقر من مصيبة ظاهرة إلى رحمة مُضمرة.
وأمام سؤال: ماذا يفعل المرء حين ينزل به البلاء؟ يُقدّم العالم المتصوف أبو عبد الله المحاسبي نصيحة جوهرها إعادة التأطير؛ بحيث يعدّ كل بلاء نزل به نعمة.
وهو ما يُعمّقه الحسين بن علي -رضي الله عنهما- حين يرفض التمني والاختيار الشخصي لصالح موقف أرقى؛ فيقول: "من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَّ غير ما اختار الله له"، في تسليم لا يصدر عن عجز بل عن يقين.
وأما السؤال الآخر الذي يردده كثيرون وهو: كيف يميّز العبد بين البلاء الذي هو إكرام والبلاء الذي هو عقاب؟ فيجيب عنه الشيخ أحمد الرفاعي بمعيار واحد واضح؛ كل بلاء يُقرّبك من المولى فهو في الحقيقة زُلفى وإن سُمّي بلاءً، وكل بلاء يُبعدك عنه فهو بلاء حقيقي بغض النظر عن مظهره.
وفي سياق "ثمرات الابتلاء"، يكشف العالم ابن حجر العسقلاني عن بُعد مذهل؛ وهو أن الله هيّأ لعباده المؤمنين منازل في الجنة لا تبلغها أعمالهم، فقيّد لهم أسباب الابتلاء والمحن ليوصلهم إليها.
وهذا ما يُفسّر قول العالم الزاهد الفضيل بن عياض إن الله يتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير؛ فالبلاء في هذا السياق ليس عقوبة بل رعاية.
وتختم الحلقة بوصية لقمان الحكيم لابنه التي تجمع كل ما سبق في صورة واحدة؛ الذهب يُجرَّب بالنار والعبد الصالح يُجرَّب بالبلاء، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.
وتخلص الحلقة إلى أنه في هذا الاختيار البسيط بين الرضا والسخط يكمن الفارق بين من يخرج من البلاء أكثر لمعاناً ومن يخرج منه محترقاً.
