في واحدة من أكثر البيئات قسوة على سطح الأرض، داخل صحراء أتاكاما في تشيلي، يختبئ مبنى يبدو للوهلة الأولى كجزء من الطبيعة المحيطة، لكنه في الواقع يمثل نقطة ارتكاز لعلماء الفلك الذين يسعون لقراءة أسرار الكون. وخلف تصميم معماري متقن يراعي العزلة والظلام التام، يعيش ويعمل باحثون داخل منشأة "ريسيدينثيا"، التي تجمع بين السكن والعمل العلمي بالقرب من كبرى مراصد الفضاء، في مكان تحكمه شروط صارمة للحفاظ على صفاء السماء الليلية، وتحويل الصحراء القاحلة إلى منصة مفتوحة لاكتشافات فلكية غير مسبوقة. وبحسب تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فإن المبنى الذي يشرف عليه المرصد الأوروبي الجنوبي لا يُستخدم فقط كمقر إقامة للباحثين العاملين في مرافق رصد النجوم القريبة، بل يعد جزءًا أساسيًا من منظومة علمية متكاملة تهدف إلى دعم الأبحاث الفلكية في واحدة من أنقى السماء ليلًا على كوكب الأرض، حيث يُحظر التلوث الضوئي وتُفرض إجراءات صارمة للحفاظ على الظلام الذي تحتاجه التلسكوبات العملاقة. ويجمع "ريسيدينثيا" بين التصميم المعماري الاستثنائي والوظيفة العلمية الدقيقة، إذ صُمم منذ البداية ليتكيف مع الظروف القاسية للصحراء، وفي الوقت نفسه يوفر بيئة معيشية مريحة للعلماء الذين يقيمون فيه لفترات عمل طويلة. وبينما تبدو غرفه وممراته وكأنها جزء من مشهد صحراوي مفتوح، يضم داخله فناءً مركزيًا تحيط به نباتات خضراء ومسبحًا تحت قبة ضخمة، في تناقض واضح مع البيئة الجافة المحيطة. وتشير "بي بي سي" إلى أن الموقع ارتبط أيضًا بعالم السينما، إذ استُخدم عام 2008 كأحد مواقع تصوير المشاهد الختامية من فيلم "كوانتم أوف سولاس" ضمن سلسلة أفلام جيمس بوند، ما أكسبه شهرة إضافية بوصفه مكانًا يجمع بين الخيال السينمائي والواقع العلمي. لكن بعيدًا عن الكاميرات، يتحول المبنى إلى مركز عمل علمي دؤوب، حيث يتناوب العلماء بين ورديات الليل والنهار، ويتوجهون إلى التلسكوبات القريبة مثل التلسكوب الكبير جدًا لإجراء عمليات الرصد والصيانة وتحليل البيانات، في حين يواصل مهندسون آخرون العمل على مشاريع فلكية أكبر قيد الإنشاء. ومع حلول الليل، تتحول صحراء أتاكاما إلى لوحة كونية مذهلة، حيث تظهر آلاف النجوم بوضوح غير مسبوق، وتُرى المجرات بالعين المجردة في واحدة من أنقى سماء الليل على وجه الأرض، في مشهد يعكس أهمية هذا الموقع بوصفه نافذة رئيسية على الكون. وفي نهاية التقرير، تبرز "بي بي سي" أن تجربة العيش والعمل في "ريسيدينثيا" تتجاوز حدود العلم والعمل اليومي، لتمنح المقيمين إحساسًا عميقًا بضآلة الإنسان أمام اتساع الكون، في مكان يبدو وكأنه خارج الزمن، حيث تلتقي التكنولوجيا الحديثة مع أسرار الفضاء في واحدة من أكثر البيئات العلمية عزلة وإلهامًا في العالم.

مقر جيمس بوند الفضائي في أتاكاما: ملاذ علماء الفلك
١٤ يونيو ٢٠٢٦
٣ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)