
سياسة
سر "الأبريه".. المشروب الذي لا يغيب عن مائدة الإفطار الرمضانية في النوبة
في أقصى جنوب مصر، حيث تتعانق مياه النيل مع البيوت ذات الألوان الزاهية، تحافظ النوبة على تراث ثقافي غني، ومن بين أبرز معالمه مشروب "الأبريه"، الذي يرتبط ارتباطا وثيقا برمضان، حتى أصبح تقليدا لا تكتمل مائدة الإفطار النوبية بدونه.
ولا يقتصر ظهور "الأبريه" على الشهر الكريم، بل يفضله أهل النوبة خلال أشهر الصيف الحارة لإرواء عطشهم، كما يتصدر المشهد في المناسبات الاجتماعية المختلفة، في تجسيد واضح لقيم الكرم والضيافة المتجذرة في المجتمع النوبي.
يحضر "الأبريه" من دقيق الذرة الذي يترك ليتخمر بطريقة طبيعية، وهي عملية تمنحه طعمه المميز المائل إلى الحموضة، فضلا عن تعزيز قيمته الغذائية، وبعد إعداد رقائق الذرة وتجفيفها وتفتيتها تضاف إلى عصائر متنوعة مثل عصير الليمون أو البرتقال أو التفاح أو الكركديه أو أي مشروب، وفقا للتفضيل الشخصي، في لمسة تجمع بين الأصالة والطابع العصري.
والأبريه ليس مجرد مشروب يقدم مع أذان المغرب، بل يعد طقسا متكاملا يسبق رمضان بأسابيع. وتقول إحدى سيدات النوبة هبة بحر إن تحضيره يبدأ بتخمير دقيق الذرة أو مزيج من دقيق الذرة والدقيق الأسمر عبر إضافته إلى الماء وقليل من الملح وقطعة خميرة بيرة، ويترك الخليط من يومين إلى سبعة أيام، حسب درجة حرارة الفصول، وبعد اكتمال التخمير يخفف الخليط بالماء حتى يصبح سائلا ثم يضاف إليه خلطة من الأعشاب النوبية مثل حلف بر والكمون والقرفة والزنجبيل.
وتضيف هبة أن الخطوة التالية هي سكب مقدار من الخليط على "الديو" أو "الدوكة"، والدوكة موجودة في كل البيوت النوبية، وهي لوح دائري من الصاج الحديدي يوضع على النار ويمسح بقليل من الزيت قبل الاستخدام، ثم يفرد العجين السائل على سطحه بحركة دائرية باستخدام أداة خشبية، وبعد نحو 30 إلى 60 ثانية يجف العجين ويتحول إلى فطائر رقيقة جافة وهشة.
وبعد تهويتها على الطبق النوبي المعروف "بالشوور" أو "بالتاجدي"، تقول هبة إن الفطائر تفتت وتكسر إلى قطع صغيرة وتحفظ في أكياس من القماش أو عبوات لحين استخدامها خلال الشهر الكريم. وقبل الإفطار بنحو ربع ساعة، تضاف رقائق "الأبريه" إلى العصير المفضل مثل الليمون أو البرتقال أو الكركديه مع التقليب، فيما يفضله البعض ممزوجا بالخشاف مع تزيينه بقطع الفاكهة الطازجة ثم يصب في أكواب ليقدم جاهزا مع انطلاق مدفع الإفطار.
من جهتها، تقول نشوى عز، وهي من النوبة وتقيم في محافظة الإسكندرية شمالي مصر، إن "الأبريه ليس مجرد مشروب تقليدي، بل يعد جزءا من عاداتنا وتقاليدنا، ولا يمكن تخيل مائدة إفطار نوبية بدونه، كما أنه مشروب صحي يساعد على ترطيب الجسم بعد ساعات الصيام الطويلة ويعزز الشعور بالشبع".
وتوضح أن تحضير فطائر الأبريه يرتبط بطقوس احتفالية، إذ تتجمع السيدات في منزل إحداهن لإعدادها وسط فرحة كبيرة وأجواء من البهجة تعكس روح التضامن والتجمع الأسري الذي يميز المجتمع النوبي وتنتقل طريقة تحضيره بسلاسة من جيل إلى آخر.
وتشير نشوى إلى حرص سيدات النوبة على إعداده بكميات كبيرة لإرساله كهدايا إلى المعارف والأقارب المقيمين خارج النوبة سواء داخل مصر أو خارجها، وبحكم إقامتها في محافظة الإسكندرية، تؤكد أنها تتلقى هدايا الأبريه من الأهل، وإذا تعذر ذلك قبل رمضان، تقوم بشرائه من معارض الجمعيات النوبية المنتشرة في محافظات مثل القاهرة والإسكندرية والسويس.
وبين بساطة المكونات وعمق الدلالة، يظل الأبريه شاهدا حيا على تمسك أهل النوبة بأصولهم وهويتهم، ويتجلى ذلك في التعليقات الإيجابية المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومنها ما كتبه أحد أبناء النوبة: "الأبريه هو المشروب الرسمي في رمضان، تجده في كل بيت نوبي وكأنه فرد من أفراد العائلة، طعم يحكي عن الزمن الجميل وعن الجدات وعن دفء البيوت المفعمة بالمحبة والبركة"، ويضيف أن تحضيره في المنزل يمنح شعورا بالاستمرارية والحفاظ على تقاليد الآباء والأجداد.
ولا يتميز الأبريه فقط بمذاقه المميز الذي يجمع بين الحموضة الخفيفة والحلاوة، بل يحمل أيضا قيمة غذائية كبيرة تعود إلى عملية التخمير التي يمر بها، ووفق موقع "سور هاوس" (Sour House)، فإن التخمير الطويل للعجين يعزز صحة الأمعاء من خلال زيادة محتوى البروبيوتيك (Probiotics) والبريبيوتيك (Prebiotics) وتقليل الكربوهيدرات صعبة الهضم، كما يسهم في تنشيط بكتيريا اللاكتوباسيلس (Lactobacillus) الشائعة في العجين المخمر، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة حمض اللاكتيك، الذي يمنح الطعم اللاذع المميز ويدعم عملية الهضم ويحسن امتصاص المعادن، فضلا عن دور التخمير في استقرار مستويات السكر في الدم.
ونقلا عن موقع "مارثا ستيوارت" (Martha Stewart)، توضح اختصاصية التغذية كوني إيليك أن العجين المخمر يحتوي على كمية أقل من الفيتات (Phytates)، أو ما يعرف بالمركبات المضادة للمغذيات مما يتيح امتصاصا أفضل للمعادن المهمة مثل الزنك والحديد.
أما دقيق الذرة، المكون الرئيسي للأبريه، فهو دقيق متعدد الاستخدامات وغني بالعناصر الغذائية مما يجعله إضافة صحية لنظام غذائي متنوع ومتوازن. ووفق موقع "هيلث أوك" (Health Oak)، يوفر دقيق الذرة مصدرا مستداما للطاقة بفضل احتوائه على الكربوهيدرات المعقدة، كما يضم مجموعة متنوعة من الفيتامينات بما في ذلك فيتامين "بي 1" وفيتامين "بي 6" وحمض الفوليك، إلى جانب معادن أساسية مثل المغنيسيوم والفوسفور والحديد والزنك، ويتميز كذلك باحتوائه على نسبة مرتفعة من الألياف الداعمة لصحة الأمعاء، ومضادات الأكسدة مثل اللوتين (Lutein) والزياكسانثين (Zeaxanthin).
وتنعكس هذه التركيبة الغذائية في فوائد صحية متعددة، تشمل دعم صحة القلب وتقوية العظام وتعزيز المناعة والحماية من الإجهاد التأكسدي، كما يشكل الدقيق الأسمر (دقيق القمح الكامل) الذي يفضل البعض إضافته إلى عجين الأبريه مصدرا مهما للمعادن، كالحديد والكالسيوم والمغنيسيوم والزنك، مما يضاعف من قيمته الغذائية.
