على امتداد التاريخ السياسي الأمريكي، ظلّ الدين حاضرا في الخطاب العام، لكن ضمن حدود دقيقة تحكمها فلسفة دستورية واضحة، الدولة محايدة دينيا، والسياسي لا يملك احتكار المقدّس ولا توظيفه لخدمة أجندته. غير أن تجربة دونالد ترمب تمثل، في كثير من جوانبها، انزياحا عن هذا التقليد، عبر تحويل الدين من مرجعية أخلاقية عامة إلى أداة تعبئة سياسية. أبرز مثال على ذلك ما عُرف بحادثة "الصورة بالإنجيل" عام 2020، حين وقف ترمب أمام كنيسة سانت جون حاملا الكتاب المقدس، بعد أن تم تفريق متظاهرين بالقوة لتهيئة المشهد. هذه الواقعة لم تُقرأ كتصرف رمزي بريء، بل وصفتها شخصيات دينية بأنها توظيف فجّ للدين في خدمة صورة ترمب السياسية. هذا الاستخدام الأداتي للدين لم يكن حدثا معزولا، بل جزءا من نمط متكرر. خلال حملاته السياسية، قدّم ترمب نفسه في إطار "مهمة مقدسة" مستخدما خطابا يربط الصراع السياسي بإرادة إلهية، ويُسقط الخلافات في ثنائية أخلاقية حادة. وفي سياق أكثر مؤسسية كشفت صحيفة واشنطن بوست عن تعميم رسائل ذات طابع ديني داخل مؤسسات حكومية، من بينها مراسلات رسمية بمناسبة عيد الفصح تضمنت مضامين لاهوتية، وهو ما أثار انتقادات قانونية باعتباره خرقا لحياد الدولة الديني.لا يتعلق الأمر بمجرد خطاب سياسي عابر، بل بتحول بنيوي في كيفية فهم السياسة نفسها من مجال عقلاني لإدارة المصالح، إلى ساحة مشحونة بالرمزية الدينية. وإذا استمر هذا المسار، فإن الخطر لا يهدد فقط التوازن الدستوري الأمريكي، بل قد يسهم في تغذية بيئة دولية أكثر قابلية للانقسام والصراع، حيث تُستعمل الهويات الدينية كوقود للنزاعات بدل أن تبقى خارجها.كما برز دور شخصيات قريبة من دوائر القرار، مثل وزير الحرب بيت هغسيث الذي تبنّى خطابا يمزج بين الدين والسياسة، بل ويضفي أحيانا بعدا عقائديا على الخيارات العسكرية، عبر تصوير بعض الصراعات في إطار "حضاري" أو "قيمي" ذي حمولة دينية واضحة. كما أشار تقرير لوكالة آسيوشايتد بريس إلى إنشاء هياكل داخل الإدارة تعنى بما سُمي "مكافحة التحيز ضد المسيحيين" وهو توجه عدّه منتقدون انحيازا دينيا مؤسسيا. هنا تبرز الإشكالية الدستورية بوضوح، فالدستور الأمريكي يمنع الدولة من تبنّي أو تفضيل دين معين، ويؤسس لفصل واضح بين الدين والسياسية. هذا المبدأ لم يكن تفصيلا قانونيا، بل حجر زاوية في التجربة الديمقراطية الأمريكية. غير أن ما يميز هذه المرحلة هو تآكل هذا الحاجز تدريجيا من توظيف رمزي للدين، إلى إدماجه في الخطاب السياسي، وصولا إلى تسريبه داخل مؤسسات الدولة نفسها. من التوظيف السياسي إلى خطر "تديين الصراع" إن أخطر ما في هذا المنحى لا يكمن فقط في خرق المبادئ الدستورية، بل في إعادة تشكيل الوعي السياسي على أسس دينية صدامية. فعندما تُقدَّم السياسة باعتبارها امتدادا لإرادة إلهية، يصبح الخلاف السياسي خلافا عقائديا، ويغدو الخصم السياسي خصما قيميا أو حتى وجوديا. هذا التحول يفتح الباب أمام إعادة إنتاج منطق "الحرب الدينية" حيث لا تُدار الصراعات وفق حسابات المصالح والتوازنات، بل وفق تصورات مطلقة عن الخير والشر. وهو ما يلتقي بشكل لافت مع أطروحة سامويل هاتنغتن في كتابه صراع الحضارات الذي حذّر من تحوّل الصراعات المستقبلية إلى صراعات حضارية ذات طابع ثقافي وديني. في هذا السياق، يصبح توظيف الدين في الخطاب السياسي، خاصة عندما يتقاطع مع القرار العسكري، عاملا مضاعفا للتوتر الدولي، لأنه يُضفي على الصراع طابعا "دينيا" يحدّ من إمكانية التسوية ويعقّد أدوات الدبلوماسية. كما أن هذا التوجه يحمل تداعيات داخلية خطرة، إذ يعمّق الانقسام المجتمعي داخل الولايات المتحدة نفسها، عبر إعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس دينية، وهو ما يتعارض مع الطبيعة التعددية للمجتمع الأمريكي. في المحصلة، لا يتعلق الأمر بمجرد خطاب سياسي عابر، بل بتحول بنيوي في كيفية فهم السياسة نفسها من مجال عقلاني لإدارة المصالح، إلى ساحة مشحونة بالرمزية الدينية. وإذا استمر هذا المسار، فإن الخطر لا يهدد فقط التوازن الدستوري الأمريكي، بل قد يسهم في تغذية بيئة دولية أكثر قابلية للانقسام والصراع، حيث تُستعمل الهويات الدينية كوقود للنزاعات بدل أن تبقى خارجها. المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

كيف يوظّف دونالد ترمب الدين في معارك السلطة؟
١٦ أبريل ٢٠٢٦
١٩ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)