تحولت جزر كوك الصغيرة، الواقعة في جنوب المحيط الهادي، إلى ساحة جديدة للمنافسة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، في ظل ما تمتلكه من ثروات معدنية ضخمة في قاع البحر، تدخل في صناعات التكنولوجيا والبطاريات والطاقة والدفاع، وسط مساع أمريكية وصينية لتعزيز الحضور العلمي والاقتصادي في المنطقة.
ويسلط تقرير عرضته الجزيرة الضوء على الأهمية المتزايدة لهذا الأرخبيل، الذي يتألف من 15 جزيرة، ولا تتجاوز مساحته البرية 236 كيلومترا مربعا، فيما لا يزيد عدد سكانه على 15 ألف نسمة. ورغم صغر حجمه وبعده عن مراكز القوى العالمية، فإنه يمتلك منطقة اقتصادية بحرية شاسعة تبلغ مساحتها نحو مليوني كيلومتر مربع، تختزن موارد معدنية إستراتيجية قد تؤثر في مستقبل التنافس على سلاسل إمداد المعادن الحرجة.
وتكمن هذه الثروات في قاع المحيط، على أعماق تصل إلى 5 آلاف متر، حيث تنتشر العقيدات متعددة المعادن التي تحتوي على الكوبالت والنيكل والمنغنيز وعناصر أخرى تدخل في تصنيع البطاريات والتقنيات المتقدمة ومعدات الطاقة والصناعات الدفاعية. ويجعل هذا المخزون جزر كوك محط اهتمام القوى الكبرى الساعية إلى تأمين إمدادات المعادن اللازمة للتحولات التكنولوجية والطاقة النظيفة.
وقد أدركت بكين مبكرا الأهمية الإستراتيجية لجزر كوك، وأقامت علاقات دبلوماسية معها عام 1997، قبل أن توسع تعاونها ليشمل تمويل المشروعات التنموية والبنية التحتية، إلى جانب مجالات المناخ والتعليم والزراعة، لتصبح من أبرز الجهات المانحة للأرخبيل بعد نيوزيلندا.
وانتقل هذا التعاون إلى مستوى أوسع مع توقيع الصين وحكومة جزر كوك، في فبراير/شباط 2025، خطة عمل للشراكة الإستراتيجية الشاملة، أعقبتها زيارة سفينة الأبحاث الصينية "دا يانغ هاو" إلى الجزر، حيث نفذت بعثة علمية مشتركة لدراسة قاع البحر وموارده المعدنية.
وبذلك، امتد الحضور الصيني من دعم مشروعات التنمية إلى المشاركة في الأبحاث العلمية التي توفر بيانات ومعرفة بشأن الموارد الموجودة في أعماق المحيط، وهو ما يكتسب أهمية متزايدة في ظل التنافس العالمي على المعادن الحرجة.
في المقابل، اتجهت الولايات المتحدة إلى تعزيز علاقاتها مع جزر كوك، في خطوة تعكس اهتمامها المتزايد بجنوب المحيط الهادي، حيث ترتبط حساباتها الإستراتيجية بأمنها القومي وعلاقاتها مع حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم أستراليا ونيوزيلندا.
وفي سبتمبر/أيلول 2023، اعترفت واشنطن رسميا بجزر كوك وأقامت معها علاقات دبلوماسية مباشرة للمرة الأولى، قبل أن يتوسع التعاون بين الجانبين إلى المجالات البحرية والعلمية. وأعلنت الولايات المتحدة وجزر كوك لاحقا تعاونا في البحث العلمي والتطوير المسؤول لموارد قاع البحر، شمل رسم خرائط هذه الموارد ودراسة إمكانات استغلالها داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة للأرخبيل.
وفي فبراير/شباط 2026، اتخذ التعاون خطوة إضافية مع توقيع إطار للشراكة في مجال المعادن الحرجة والعناصر الأرضية النادرة، يتضمن البحث ورسم الخرائط والاستكشاف وتسهيل الاستثمار والمعالجة وتطوير سلاسل الإمداد.
ويعكس هذا المسار تلاقي المصالح الأمريكية والصينية حول موارد جزر كوك، إذ يسعى الطرفان إلى تعزيز المعرفة بالثروات المعدنية المتاحة وإمكانات الوصول إليها، في وقت تتزايد فيه أهمية تأمين مصادر متنوعة للمعادن المستخدمة في الصناعات المتقدمة.
وسط هذا التنافس، تسعى حكومة جزر كوك إلى إدارة علاقاتها مع القوتين بحذر، مستفيدة من الاهتمام الدولي بأراضيها ومياهها، دون الانحياز الكامل إلى أي طرف. ووفقا للتقرير، اقتصرت الموافقات الممنوحة حتى الآن على تراخيص استكشافية وبحثية لمدة 5 سنوات، تحت إشراف هيئة معادن قاع البحر المحلية، مع السماح بتلقي الدعم التنموي والعلمي من الجانبين دون التزام سياسي محدد.
ولا يزال التعدين التجاري الفعلي للمعادن في قاع البحر معلقا، إذ تشترط الجزر الحصول على بيانات علمية كافية تضمن عدم إلحاق أضرار بالبيئة البحرية والتنوع البيولوجي، اللذين يمثلان أهمية أساسية لاقتصاد السكان المحليين وسبل عيشهم.
ولا تقتصر حسابات الحكومة على حماية الموارد الطبيعية، بل تشمل أيضا الحفاظ على استقلال قرارها السياسي. ويشير التقرير إلى أن جزر كوك ترفض إقامة قواعد عسكرية أو قبول وجود عسكري أو إبرام اتفاقيات أمنية مع واشنطن أو بكين، متمسكة بمبدأ "أصدقاء للجميع ولسنا أعداء لأحد".
وتكشف تجربة جزر كوك كيف يمكن لموقع صغير وسكان محدودين أن يتحولوا إلى محور اهتمام دولي عندما تقترن الجغرافيا البحرية بموارد معدنية ذات قيمة إستراتيجية. فالمنافسة الأمريكية الصينية لم تعد تقتصر على النفوذ السياسي أو الوجود العسكري، بل امتدت إلى البحث العلمي ورسم خرائط قاع البحر وتأمين سلاسل إمداد المعادن اللازمة للتكنولوجيا والطاقة.
وفي ظل هذا التنافس، تواجه جزر كوك معادلة دقيقة تتمثل في الاستفادة من الاستثمارات والتعاون العلمي، مع تجنب الارتهان لأي قوة كبرى، والحفاظ على البيئة البحرية وحقها في تقرير مستقبل ثرواتها.
وبينما تتسابق واشنطن وبكين على تعزيز حضورهما في جنوب المحيط الهادي، يبقى القرار بشأن الانتقال من الاستكشاف إلى التعدين التجاري بيد حكومة جزر كوك، التي تسعى إلى الموازنة بين الفرص الاقتصادية والمخاطر البيئية والسياسية، في منطقة مرشحة لمزيد من الاهتمام الإستراتيجي خلال السنوات المقبلة.

معادن الأعماق تشعل سباق النفوذ الأمريكي الصيني في جزر كوك
١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
٩٨ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)