
سياسة
الباحث الإجتماعي والمؤرخ للجالية اليمنية في بريطانيا محمد إسماعيل يكتب عن وداد الدوح
الباحث الإجتماعي والمؤرخ للجالية اليمنية في بريطانيا محمد إسماعيل يكتب عن وداد الدوح بقلم الباحث الإجتماعي والمؤرخ للجالية اليمنية في بريطانيا الأستاذ محمد إسماعيل وُلدت وداد عائش محمد هادي الدوح في عام 1401هـ الموافق 14 يوليو 1981م في مدينة عدن المدينة التي لا تكتفي بأن تكون مكانًا، بل تصوغ أبناءها على معنى النضال والكرامة. جاءت إلى الحياة ابنةً للمناضل الوطني عائش محمد هادي الدوح، أحد أبرز الوجوه العدنية التي واجهت الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن، رجلٌ ترك في ذاكرة المدينة أثر الشجاعة والموقف، ورحل في سبتمبر 2021 بعد أن أورث ابنته إيمانًا عميقًا بالعدالة، ونزوعًا فطريًا إلى الوقوف في صف الحقيقة مهما كانت كلفتها. في هذا المناخ المشبع بروح المقاومة، تشكّلت ملامح وداد الأولى، فاختارت منذ وقت مبكر أن تجعل من القانون بوصلتها. التحقت بكلية الحقوق في جامعة عدن، ونالت درجة البكالوريوس في القانون بين عامي 2000 و2004، ثم واصلت تعميق معارفها بالحصول على دبلوم عالٍ في العلوم الجنائية خلال عامي 2005–2006، واضعةً قدمها بثبات في مسار العدالة والحقوق. غير أن مسار حياتها لم يبقَ حبيس الجغرافيا. ففي نوفمبر 2010، غادرت عدن متجهةً إلى بريطانيا، لتستقر في مدينة شفيلد. لم تكن تلك الهجرة مجرد انتقال من وطن إلى آخر، بل تحوّلًا جذريًا في وعيها ودورها، حيث وجدت في المنفى مساحة أوسع للعمل العام، ومنبرًا جديدًا للدفاع عن اليمن وقضاياه. في شفيلد، بدأت وداد تتشكل كناشطة سياسية وحقوقية وإعلامية، حاملةً همّ وطنها، ومصرة على أن تكون الغربة أداةً للفعل لا للانكفاء. لم تنقطع صلتها بالمعرفة، بل حرصت على تطوير أدواتها بما يخدم رسالتها. حصلت على دبلوم في الكمبيوتر، وشاركت في دورات متخصصة في الإعلام الرقمي داخل بريطانيا، ثم واصلت دراسة اللغة الإنجليزية عبر برامج معتمدة ، لتبني قاعدة معرفية مرنة تجمع بين القانون والإعلام والخطاب الحقوقي. وفي العقد الأخير، انخرطت في برامج متقدمة لصقل خبرتها، شملت دورات في آليات حقوق الإنسان عام 2022، وتمكين المرأة عام 2023. وتُوِّج هذا المسار الأكاديمي في ديسمبر 2024 بحصولها، عبر مناقشة علنية وعن بُعد، على درجة الماجستير في القانون الجنائي الدولي من جامعة عدن، في واحد من أكثر فروع القانون حساسية وتعقيدًا. لم تتعامل وداد مع حقوق الإنسان كخطاب نظري أو ترف فكري، بل كممارسة ميدانية محفوفة بالمخاطر. ففي عام 2022، كانت ضمن فرق النزول الميداني إلى مناطق الألغام في بيحان وعسيلان وعين بمحافظة شبوة. هناك، واجهت الأرض المثقلة بالموت المؤجل، وجمعت شهادات الناجين، ووقفت أمام الخراب لا بوصفه رقمًا في تقرير، بل حياةً مبتورة وألمًا حيًا. وأسهمت في إعداد تقارير حقوقية متعددة وثّقت الانتهاكات، وأصبحت جزءًا من أرشيف الذاكرة الحقوقية اليمنية. وحملت هذه الشهادات إلى العالم عبر السينما الوثائقية، من خلال مشاركتها في إنتاج فيلمين لمنظمة «فرونت لاين» البريطانية لحقوق الإنسان: «فساد باسم الجوع» (2021) و«قاتل تحت الرمال» (2022)، وهما عملان كشفا دوائر الفساد والموت الصامت، وسلّطا الضوء على معاناة اليمنيين في الظل. إلى جانب العمل الميداني، كان حضورها الفكري والإعلامي لافتًا. شاركت في عدد واسع من الندوات الدولية التي تناولت الحرب والسلام وحقوق الإنسان والإرهاب وتمكين المرأة، من بينها: ندوة الحرب في اليمن (لندن 2019)، ندوة الإعلام والحرب والإرهاب (2020)، ندوة حقوق الإنسان في جنوب اليمن (2020)، ندوة المرأة اليمنية الجنوبية وصناعة القرار (2020)، وندوة حقوق الإنسان وآفاق السلام (2021). وفي محطة فارقة عام 2022، قدمت ورقة عمل داخل مبنى البرلمان البريطاني، عرضت فيها نتائج النزول الميداني إلى مناطق الألغام، واضعةً أمام صانعي القرار صورة عارية للحرب بلا تزييف. منذ عام 2008، برز صوت وداد الكاتِب في الصحف والمواقع اليمنية والعربية، متناولًا قضايا المجتمع والمرأة والحرب والانتهاكات بجرأة ووعي. وفي عام 2009، وُضع اسمها ضمن قائمة كتّاب الرأي والمعارضين الذين طُلب مثولهم أمام المحكمة على خلفية مقالاتهم، بتهمة المساس بالوحدة اليمنية، وكانت المرأة الوحيدة بين تلك الأسماء، في مشهد عكس حدة الاستقطاب السياسي آنذاك. ومن بين مقالاتها التي أحدثت صدى واسعًا، مقالها الشهير «الجنوب: انفصال أم فك ارتباط؟» (2009)، حيث قدّمت قراءة قانونية عميقة لقضية شائكة، وأسهمت في إثراء النقاش العام حولها. كما شاركت في العديد من اللقاءات التلفزيونية بوصفها محللة سياسية وشاهدة على تحولات اليمن. وفي بريطانيا، كانت من الوجوه الحاضرة في فعاليات منتدى المرأة اليمنية الجنوبية في شفيلد، عملت من خلاله على دعم تمكين المرأة اليمنية الجنوبية وتعزيز حضورها في الشأن العام داخل الوطن وخارجه. على المستوى الوطني، شاركت وداد في اللقاء التشاوري الجنوبي – عدن 2023، بوصفها عضوًا في لجنة أسس ومبادئ التفاوض للميثاق الوطني الجنوبي، ثم كانت من الموقعين على الميثاق في مايو 2023. كما ألقت كلمة المرأة اليمنية الجنوبية في اللقاء الموسّع للشباب والمرأة، مؤكدة أهمية الحوار وبناء الدولة العادلة. وفي ديسمبر 2023، انضمت إلى الوفد الرسمي اليمني المشارك في المنتدى العالمي الثاني للاجئين في جنيف، مستشارةً للشؤون الخارجية لمحافظ عدن، ناقلةً همّ اليمنيين إلى منصة أممية مؤثرة. وتدرّجت وداد في مسارات قيادية متعددة، شغلت خلالها مواقع متنوعة، منها: محررة برنامج «حديث الساعة» الحواري السياسي الحقوقي، ورئيسة منظمة فرونت لاين (الخط الأمامي) لحقوق الإنسان في اليمن، والمسؤولة الإعلامية لمنتدى المرأة اليمنية الجنوبية في شفيلد، ونائب رئيس دائرة الحقوق والحريات في نقابة المحامين الجنوبيين – عدن، وعضو لجنة أسس ومبادئ التفاوض للميثاق الوطني الجنوبي، ومستشارة وزير الدولة محافظ محافظة عدن للشؤون الخارجية. حظي هذا المسار الحافل بتقدير واسع، فكرّمتها الجالية اليمنية في شفيلد في حفل رسمي حضره سفير اليمن الدكتور ياسين سعيد نعمان، والدكتور عبدالجليل شايف، وعمدة مدينة شفيلد، ومرشحة البرلمان البريطاني آنذاك ابتسام محمد، إلى جانب شخصيات أكاديمية ومجتمعية. ثم جاء الاعتراف الأوسع بإدراج اسمها ضمن «موسوعة الشخصيات النسائية العربية الرائدة» – الجزء السادس (2024)، بوصفها الشخصية رقم 45، تتويجًا لمسيرة اتسمت بالإصرار وتحويل التجربة الفردية إلى أثر عام. في خلاصة سيرتها، لا يمكن اختزال وداد الدوح في توصيف واحد. فهي ليست مجرد ناشطة حقوقية أو سياسية أو صحفية، بل حكاية امرأة عبرت المسافات بين عدن وشفيلد، وبين الميدان والبرلمان البريطاني، وبين الألم المحلي والمنابر الدولية، حاملةً قضية وطنها حيثما ذهبت. شهادة حية على أن العدالة تبدأ بخطوة، وأن صوتًا واحدًا، حين يستند إلى إيمان عميق بقيمة الإنسان، قادر على أن يصنع فرقًا حقيقيًا. المصادر المعتمدة: مقالات وتصريحات منسوبة إليها منشورة في مواقع إخبارية يمنية محلية، إضافة إلى ما تنشره عبر صفحتها على موقع فيسبوك. تقارير صحفية تناولت نشاطها الحقوقي والسياسي. مواد إعلامية أشارت إلى خلفيتها الأكاديمية وإسهاماتها البحثية. إجاباتها المباشرة على أسئلتنا المتعلقة بجوانب شخصية من حياتها.
