
سياسة
نادي "السنوات الذهبية" في مصر.. المكان الذي تتحقق فيه الأحلام المؤجلة
"العمر مجرد رقم" ليس شعارا يرفعه أعضاء جمعية "السنوات الذهبية" في مصر فحسب، بل قاعدة يلتزمون بها، ويحاولون تطبيقها عمليا عبر تحقيق أحلام نحو 50 ألف عضو.
منهم من أراد أن يصبح كاتبا، ومن حلم بالمشاركة في سباقات السيارات أو الجري في ماراثون، وآخرون أرادوا خوض تجربة الغناء بعد الستين، فيما اكتفى بعضهم بتكوين صداقات جديدة والخروج إلى متنزهات لم تكن يوما ضمن خياراته. أحلام تتحقق في سنوات يصفونها بـ"الذهبية"، لكن على طريقتهم الخاصة جدا.
لم تتخيل المحامية المصرية دينا حشيش أن المجموعة الإلكترونية التي أنشأتها على موقع فيسبوك وقت الحظر خلال جائحة كورونا ستتحول لاحقا إلى مؤسسة كبيرة. دينا، المتخصصة في حوكمة الشركات، والحاصلة على درجة الماجستير من جامعة أمريكية مرموقة، هي ابنة وحيدة وحفيدة أولى في عائلتها، وكانت بحاجة إلى العناية بوالدها وحماها وبعض كبار السن في عائلتها خلال الجائحة، مما دفعها للبحث عن أشكال مختلفة من الرعاية لم يكن العثور عليها سهلا.
تقول للجزيرة نت: "كان أكثر ما يشغلني هو كيفية حماية كبار السن من الآثار النفسية السلبية للعزلة خلال الجائحة. درست الأمر بعمق، واكتشفت أن الحل الأمثل لتخفيف هذه الآثار هو اتباع روتين يومي واضح ومنتظم، مع خلق حياة اجتماعية ولو عبر الإنترنت".
هكذا وضعت روتينا لأفراد عائلتها تضمن شرب القهوة ومشاهدة أفلام محببة وقضاء وقت جماعي في الخَبز وتناول الغداء، مع أنشطة مشتركة بين الكبار والأحفاد مثل الشطرنج وكرة القدم والطائرات الورقية. تضيف دينا "صنع ذلك فارقا ذهنيا كبيرا، تحسنت حالتهم النفسية، ومن ثم صحتهم الجسدية".
تقول "من هنا قررت إطلاق مجموعة على فيسبوك لتقديم أنشطة مجانية عبر الإنترنت، مثل لقاءات مع الأطباء ودروس الفن وتبادل الخبرات والحكايات. سرعان ما اتسعت الدائرة لتشمل كبار سن من 60 إلى أكثر من مئة عام، وأبناء وأحفادا، وأطباء وممرضين، وكل المهتمين بقضايا كبار السن، وتطورت الأنشطة لتشمل جلسات يوجا وتمارين تنفس وندوات طبية عبر الإنترنت".
دينا، التي واصلت عملها بين مكاتب المحاماة الدولية في نيويورك وميلانو والقاهرة، حظيت باهتمام واسع بسبب هذه المبادرة، فقد كرمتها مبادرة للأمم المتحدة معنية بالشيخوخة الصحية ضمن قائمة تضم 50 من القادة الذين يعملون لتحويل العالم إلى مكان أفضل لكبار السن، كما حصلت على جائزة "مصريات مؤثرات".
وتوضح: "مع الوقت، بدأ كبار السن يشاركون خبراتهم بأنفسهم، ويتبادلونها بعد تعريفهم بأدوات التكنولوجيا ووسائل التواصل، مثل برامج الاجتماعات المرئية ومواقع التواصل الاجتماعي. ثم جرى إشهار (نادي السنوات الذهبية) كجمعية أهلية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي. بدأنا بتنظيم زيارات لدور المسنين مع أنشطة لتحسين حالتهم، ثم أنشأنا أول كورال لكبار السن في الشرق الأوسط، ومسرحا مجتمعيا، وسباقا دوريا تحت شعار (الحركة بركة) لكبار السن، إلى جانب أنشطة ترفيهية أخرى".
وتضيف "كما قمنا بدمج طلبة المدارس لمساعدة كبار السن، وانضم إلينا كثير من المتطوعين من الفئة العمرية نفسها يعرضون أعمالهم اليدوية في معارض، ويقدمون أنشطة وندوات في مجالات تخصّصهم. شاركنا أيضا كتّابا وأطباء ومؤلفين، حتى أن بعض أعضاء النادي أصدروا كتبا وشاركوا في فعاليات لم يجربوها من قبل".
حققت زينب شفيق حلمها بإصدار أول كتاب لها في عمر الثمانين. السيدة المصرية التي بدأت رحلتها مع الكتابة في سن العاشرة اعتادت أن تكتب بالفرنسية ثم بالعربية، وكانت تتخيل أنها ستصبح كاتبة بعد تخرجها في كلية الآداب وعملها بين الصحافة وتعليم اللغة العربية لسنوات طويلة.
لم تكن تتوقع أن يتحقق حلمها في هذا العمر. تقول للجزيرة نت: "أحببت القراءة والكتابة مبكرا، وتنقلت كثيرا بين محافظات مصر بحكم عمل والدي في شركة السكر، خاصة محافظات الصعيد حيث كثرة الحكايات والعادات والتقاليد".
جاءت النتيجة في كتاب بعنوان "السادسة والأربعون دقيقة صباحا"، يضم حكايات من القرن الماضي لفتاة من طراز خاص، راحت زينب تدونها عبر صفحة على فيسبوك بعنوان "حكايات زهرة القمر".
تقول: "طلبوا مني في نادي السنوات الذهبية نشر بعض ما أكتب على صفحة النادي، ثم فكرت لاحقا في طباعة الكتاب وقلت: لِمَ لا؟ كان رد الفعل رائعا أكثر مما توقعت، تحمس الجميع للكتاب وكأنه إنجازهم. ربما لأن الكتاب يسلط الضوء على مرحلة عمرية ثرية للغاية على مستوى الوعي والفكر والثقافة والفنون في مصر".
ولم تكن هذه التجربة الوحيدة، فقد خاضت زينب في السنوات الأخيرة تجارب جديدة تماما حققت خلالها مزيدا من الأحلام المؤجلة: "انضممت إلى كورال لكبار السن لممارسة الغناء، وشاركت في العديد من الحفلات، وأشارك في فعاليات أخرى كثيرة تساعدني على إعادة اكتشاف نفسي".
تتزايد أعداد الكيانات المعنية بدعم كبار السن حول العالم، ورغم تنوع أنشطتها وأساليبها، فإن الهدف المشترك هو أن يقضي المسنون مرحلة الشيخوخة بصحة وكرامة وسعادة. من أبرز هذه الكيانات:
