لا يشتري معظم الناس الديزل مباشرة، لكنهم يدفعون ثمنه كل يوم، في كلفة نقل الطعام، وفي أسعار المنتجات الزراعية، وفي فواتير الشحن التي تصل في النهاية إلى رفوف المتاجر. ومع بلوغ الوقود مستويات قياسية على جانبي الأطلسي، لم يعد السؤال عن سعر الديزل نفسه، بل عن الطريق الذي تسلكه كلفته من الخزان إلى المائدة، ثم إلى صندوق الاقتراع. وارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.8 بالمئة في أيلول/سبتمبر مقابل 3.2 بالمئة في آب/أغسطس، بحسب تقدير أولي صدر عن مكتب الإحصاء الأوروبي "يوروستات" في 2 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. ويعتبر هذا الارتفاع أعلى معدل في ثلاث سنوات، إذ قفز تضخم الطاقة من 14.3 بالمئة إلى 18.8بالمئة، كما رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة 25 نقطة أساس في 10 أيلول/سبتمبر لتبلغ فائدة الإيداع 2.5 بالمئة، وتخص هذه الأرقام الطاقة عموما لا الديزل وحده. وسجلت ليتوانيا أعلى معدل بين الدول الأعضاء عند 6.1 بالمئة، تليها بلغاريا عند 5.6 بالمئة، فيما بلغ المعدل في إسبانيا 5 بالمئة، كما أن البنك المركزي الأوروبي يتوقع أن يبلغ متوسط التضخم 3 بالمئة في 2026، وأن التضخم الأساسي الذي يستثني الطاقة والغذاء ارتفع إلى 2.5 بالمئة من 2.4 بالمئة فقط.أوروبا الأكثر تعرضا لارتفاع كلفة الديزل لكن الديزل يضغط على أوروبا أكثر من غيرها، لأن 38 بالمئة من سياراتها الخاصة تعمل به، ما يجعلها، بحسب دراسة لمنظمة "النقل والبيئة" الأوروبية، أكثر مناطق العالم انكشافا لارتفاع أسعاره. وقدرت الدراسة أن الارتفاع القياسي يكلف أوروبا 203 ملايين يورو إضافية يوميا، كما أن الشاحنة الواحدة تدفع 236 يورو إضافية أسبوعيا. وأنفقت أوروبا أكثر من 100 مليار يورو إضافية على واردات الطاقة منذ بدء الحرب مع إيران، بحسب تقرير لـ"يورونيوز". اظهار أخبار متعلقة وامتدت الضغوط إلى وقود الطائرات، إذ تتوقع "إنرجي أسبكتس" عجزا أوروبيا قدره 510 آلاف برميل يوميا في الربع الأخير، وفق ما نقلته "رويترز"، مع انخفاض مخزونات هذا الوقود إلى أدنى مستوى منذ 2019. وتحذر "النقل والبيئة"، وهي منظمة تدعو إلى تسريع التحول نحو السيارات الكهربائية، من أن خفض ضرائب الوقود الذي يدرسه سياسيون سيطيل أمد الألم ويحمل دافعي الضرائب العبء، وتدعو إلى توجيه الدعم لأصحاب الدخل المنخفض، بحسب الدراسة نفسها. وفي ألمانيا، ثاني أكبر سوق للنقل البري في أوروبا، تقدر الرابطة الألمانية للنقل البري أن الوقود يشكل نحو ثلث كلفة شركة الشاحنات، بحسب تحليل لوكالة شينخوا الصينية، ما يعني أن ارتفاع الديزل بنسبة 10 بالمئة يرفع الكلفة التشغيلية نحو 3 بالمئة. وذكرت الوكالة أن الديزل يظل عماد النقل البري في القارة، ويشكل 92.1 بالمئة من الشاحنات الجديدة المسجلة في النصف الأول من 2026، وبلغت شحنات الديزل منخفض الكبريت في شمال غرب أوروبا 1642.25 دولارا للطن في 15 أيلول/سبتمبر، وهو الأعلى منذ بدء التقييم عام 2007 وفق شركة "بلاتس"، ورصد محضر اجتماع البنك المركزي الأوروبي في حزيران/يونيو آثارا غير مباشرة لارتفاع كلفة الطاقة في أسعار النقل والأسمدة والبلاستيك والواردات.الولايات المتحدة.. المزارعون في مواجهة الحصاد في الولايات المتحدة، تأتي الأزمة في أكثر فترات السنة استهلاكا للوقود، ويحصل المزارعون على ديزل معفى من الضرائب الحكومية والفدرالية. وقدر اتحاد المزارعين الأمريكي، في تحليل حديث، أن متوسط مزرعة الذرة، ومساحتها 113 هكتار (نحو 1.13 كيلومتر مربع)، يستهلك نحو 857 غالونا من الديزل خلال الحصاد، كما أن زيادة قدرها 2.60 دولار في سعر الغالون ترفع كلفة الحصاد بنحو 18.23 دولارا للأكر في البطاطس و18.67 دولارا في اللوز و57.59 دولاراً في التفاح، ونحو 2.50 دولار للأكر في القمح الشتوي. وأضاف الاتحاد أن عدة ولايات سمحت مؤقتاً باستخدام ديزل المزارع على الطرق العامة لتخفيف العبء، وأوضح الاتحاد أن أثر الديزل يتجاوز المزرعة إلى كلفة النقل بالسكك والصنادل والشاحنات على امتداد سلسلة الإمداد الزراعية. ولا تقتصر الكلفة على الجرار والحصادة، فقد ارتفع رسم الوقود الإضافي لدى شركة "يونيون باسيفيك" للسكك الحديدية من 28 سنتا للميل في تموز/يوليو 2025 إلى 71 سنتا في تموز/يوليو 2026، وزاد بمقدار 35 سنتا للميل في تشرين الأول/أكتوبر مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، بحسب تقرير لموقع "دي تي إن" الزراعي. وأوضح التقرير أن هذه الكلفة تحمَل في الغالب للمزارعين عبر انخفاض السعر الذي يتلقونه عند البيع.الشحن.. رسوم إضافية لتمرير الأزمة أما شركات الشحن فتمرر الزيادة إلى زبائنها، إذ يفرض سائقوا الشاحنات في ميشيغان رسم على أسعارهم بعدما تجاوز الديزل ستة دولارات للغالون، بحسب صحيفة "ديترويت نيوز"، التي أضافت أن الشركات في الولاية تواجه خيار امتصاص الكلفة أو رفع الأسعار أو تمرير رسوم الوقود إلى زبائنها. اظهار أخبار متعلقة وحذر دين كروك، كبير المحللين في شركة "دي إيه تي فرايت أند أناليتيكس"، من أن قطاع النقل على وشك أن يشهد إفلاسات بسبب الديزل، وقال إن أسعار نقل التفاح والكمثرى في مقطورات مبرّدة من وادي ياكيما بولاية واشنطن بلغت أعلى مستوى في أربع سنوات، وفق تقرير لموقع "بوي ريبورت".الغذاء.. أثر بطيء لكنه قادم يقول ديفيد أورتيغا، الخبير الاقتصادي في جامعة ولاية ميشيغان، إن معظم الغذاء ينتقل بالشاحنات التي تعمل بالديزل، وإن المستهلكين قد يرون ارتفاعا في الأسعار خلال الأشهر المقبلة رغم أن الوقود يشكل حصة صغيرة من كلفة الغذاء، بحسب التقرير نفسه، الذي أضاف أن أسعار الغذاء للمستهلك ارتفعت 2.7 بالمئة على أساس سنوي في آب/أغسطس. ونقلت كريستيان ساينس مونيتور عن تقرير لرابطة البقالة المستقلة أن ارتفاع كلفة الوقود بنسبة 10 إلى 15 بالمئة يرفع أسعار الغذاء بالتجزئة بين 2 و4، وعن تحليل لمنتدى تكنولوجيا المحركات أن ما يصل إلى ثلاثة أرباع الشاحنات التجارية البالغ عددها 17 مليونا تعمل بالديزل، ووصفت الديزل بأنه عماد الاقتصاد الأمريكي، من المعدات الإنشائية إلى حافلات المدارس ومولدات الطوارئ في متاجر البقالة.ضغط قبل الانتخابات سياسيا، بلغ متوسط سعر الديزل الأمريكي 6.37 دولار للغالون الجمعة بعد أرقام قياسية في أيلول/سبتمبر، إذ يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطا متصاعدة من نواب جمهوريين لمعالجة أسعار الوقود قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر. واتفقت مجموعة السبع على إطلاق 100 مليون برميل من الاحتياطيات. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن المزارعين وسائقي الشاحنات والشركات الأمريكية لا ينبغي أن يتحملوا وحدهم عبء نقص الديزل العالمي. اظهار أخبار متعلقة ويزيد من حساسية الملف أن الولايات المتحدة وفرت نحو نصف واردات الاتحاد الأوروبي من الديزل في آب/أغسطس، بحسب وكالة الطاقة الدولية، غير أن مجموعة السبع لم تحدد إن كانت هذه الكمية إضافية أم تشمل ما تبقى من إطلاق آذار/مارس. وتنتقل أزمة الديزل من محطة الوقود إلى شركة الشحن والمزرعة، ثم إلى رف المتجر، ثم إلى قرار البنك المركزي وصندوق الاقتراع. وتختلف سرعة الانتقال بحسب القطاع؛ فرسوم الوقود تصل إلى الزبائن سريعا، بينما يتأخر أثرها على أسعار الغذاء أشهرا، بحسب ما يقوله اقتصاديون، ويبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الإطلاقات الموعودة ستخفف الضغط قبل أن يستقر في الأسعار، وهو ما لم تتضح تفاصيله بعد، ولا تزال الصورة الأوروبية غير مكتملة.

ارتفاع الديزل يهدد سلاسل الإمداد.. كيف تصل الأزمة إلى المستهلك؟
٥ أكتوبر ٢٠٢٦
٢٠ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)