
يحتاج الإنسان سنتين ليتعلم الكلام، ويحتاج 50 سنة ليتعلم الصمت، وهي مفارقة رصدها الأديب الأمريكي أرنست همنغواي بدقة لافتة، كاشفة عن حقيقة عميقة: أن الصمت ليس غياب الكلام، بل هو فعل إيجابي يحتاج إلى تعلم وتدريب وإرادة.
واستعرض برنامج "قال الحكيم" في حلقة "عن الإنصات" -التي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذه الإشكالية الإنسانية الكبرى، متسائلا عن الفرق بين الصمت والإنصات والسكوت، ومستكشفا العلاقة المعقدة بين الكلام والاستماع في رحلة الإنسان نحو المعرفة والتقرب إلى الله.
وفرّق البرنامج بين 3 مفاهيم يخلط بينها كثيرون: السكوت وهو مجرد توقف عن الكلام، والصمت وهو حالة داخلية أعمق، والإنصات وهو صمت مصحوب باستماع واعٍ ومركّز.
ووفقا للكاتب الفلسفي ماكس بيكار فإن الضجيج قوي، لكن الصمت أحيانا يبدو أكثر قوة، وهو ما يتضاعف حين يكون مصحوبا باستماع حقيقي، وأوضح البرنامج عائقا جوهريا يحول دون الإنصات الحقيقي، لخّصه المدرب الأمريكي روبرت سيتلر في عبارة مركّزة: من ينفتح فمه تنغلق أذناه.
وفي السياق ذاته، أشار الصوفي سهل بن عبد الله إلى أن أهل المعرفة بالله سكتوا بعلم وتكلموا بإذن، فسقط عنهم فضول الكلام، مما يعني أن الصمت عند أهل الله ليس عجزا، بل اختيار مبني على الوعي والمعرفة.
وفي ذات الإطار، رسم الصحابي الجليل جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- مراتب ترقّي الإنسان نحو الكمال في سلّم متصاعد الدلالة: تعلّموا الصمت، ثم الحلم، ثم العلم، ثم العمل، ثم النشر.
وكأنه بذلك يجعل الصمت الأساس الذي لا ينهض بناء المعرفة والعمل إلا عليه، وتأكيدا على هذا المعنى، ربط التابعي وهب بن منبّه -رحمه الله- بين الصمت والتفكير ربطا وثيقا، مرسيا معادلة واضحة: الصمت فهم للفكرة، والفكرة مفتاح للمنطق.
غير أن البرنامج لم يُطلق الصمت على عواهنه، بل اشترط له حكمة المواضع، إذ نبّه الصوفي بشر الحافي إلى أن المتكلم لا يكون أشد ورعا من الصامت إلا إذا كان عالما يتكلم في مواضع الكلام ويسكت في مواضع السكوت، وهذا يعني أن الفضيلة الحقيقية ليست في الصمت المطلق ولا في الكلام المطلق، بل في إدراك متى يكون كل منهما في محله.
وعلى صعيد الصلة بالله عز وجل، جاءت وصية الإمام أبي بكر الشبلي بالغة الأثر حين شبّه الكلام بالكتاب الذي يُملي فيه العبد رسالته إلى ربه، داعيا إلى التأمل في ما يقوله الإنسان قبل أن ينطق به.
وفي الاتجاه نفسه، وصف العالم المتصوف ذو النون المصري من قطع لسانه بشفرة الصمت بأنه يجد عذوبة الراحة، في صورة تجمع بين جمال التعبير وعمق المعنى.
وخلص البرنامج إلى أن الصمت والكلام ثنائية لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر، وأن ما يحدد قيمة كل منهما هو ما يتصف به من صدق ووعي وتوجه نحو الخير، لا مجرد الكم والكثرة.
