تتسع رقعة المواجهات العسكرية في شمال إثيوبيا بين القوات الفيدرالية ومقاتلي جبهة تيغراي مع انتقال القتال إلى مناطق جديدة في إقليم أمهرة. وبموازاة ذلك تتواصل المعارك في عفر وتيغراي. وقبل أيام اشتعلت الجبهة الداخلية الإثيوبية مع إعلان 7 جماعات مسلحة تشكيل "تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء"، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد وتشكيل حكومة انتقالية، منهيةً بذلك هدنة قائمة منذ العام 2022. اظهار أخبار متعلقة ما تشهده إثيوبيا من تطورات عسكرية داخلية هو الثاني في العقد الحالي، بعد حرب إقليم "تيغراي" بمواجهة الحكومة المركزية في أديس أبابا بين 2020 و2022، والتي انتهت بهدنة انتهت مع التحالف العسكري الجديد الذي أحرز تقدماً بالأيام الماضية وسيطر على المطار الرئيسي في إقليم تيغراي. لكنَّ نجاح "جبهة تحرير تيغراي" في ضم 6 مجموعات عرقية أخرى مسلحة، تحت عنوان: "تعاون قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء"، منها حركة "فانو" في إقليم أمهرة، و"جيش تحرير أورومو"، و"جبهة تحرير أوغادين"، و"جبهة تحرير بني شنقول"، و"الجبهة العفرية أوغوغومو"، و"حركة شعب غوموز"، يمثل تحدياً كبيراً أمام حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، المدعوم من أطراف دولية بينها إسرائيل والإمارات.تطور لصالح مصر ولفت الكاتب الصحفي أحمد عابدين إلى أن هذا يمثل تطوراً مهماً لمصر، خاصة وأن هذا التحالف ربما هو الخطر الأكبر على آبي أحمد، كون بعض الجماعات السبعة كانوا من حلفائه سابقاً وانقلبوا ضده، كما أنهم بأكثر من اتجاه، ما يشتت جيشه في حرب متعددة الجبهات بينهم تنسيق وتعاون وهدف واحد معلن، بجانب الدعم (غير المعلن) من عدة جهات أهمها إريتريا والسودان. وعبر صفحته بـ"فيسبوك"، أشار إلى سيطرة قوات "تيغراي" على 3 مطارات ومواصلة التقدم ضد قوات آبي أحمد، بالتزامن مع اشتعال المواجهة مع جبهات أخرى، مؤكداً أن الحرب هذه المرة ستكون أكثر دموية، ملمحاً إلى مواقف إقليمية محيطة بآبي أحمد، مضادة من إريتريا والصومال والسودان ومصر والسعودية، يقابلها على الجانب الثاني مواقف داعمة له من الإمارات، مؤكداً أنها منذ شهور تحشد كميات هائلة من الأسلحة والذخيرة والمسيرات ومضادات جوية. وإزاء هذا الوضع المعقد أمام حكومة أديس أبابا التي أنجزت مهمة بناء سد النهضة الإثيوبي وحجز أكثر من 64 مليار متر مكعب مياه خلفه، وافتتحته في أيلول/سبتمبر 2025، دون اتفاق يشرك دولتي المصب بإدارة السد وتحديد وضعه وقت الفيضان والجفاف، وتواصل تصعيد لهجتها بمواجهة القاهرة بإعلان بناء 3 سدود جديدة على النيل الأزرق؛ تثار التساؤلات حول مدى تغير وضع القاهرة والخرطوم بملف المياه في ظل أوضاع داخلية إثيوبية مضطربة. ويتساءل مصريون بشأن ما إذا كانت تلك الأحداث الداخلية الإثيوبية تصب، أم لا، لصالح دولتي مصب نهر النيل، اللتين تشهد علاقاتهما مع أديس أبابا توتراً حول ملف تشغيل وإدارة سد النهضة على النيل الأزرق المورد الموسمي لنهر النيل، كما يترقبون مدى تأثير تلك الحرب على مستقبل السد وإمكانية أن تقود تلك الحرب إلى تغير سياسات إثيوبيا نحو ملف المياه. ويلفت محللون إلى أن أزمة دولتي المصب الآن ومستقبلاً تتمثل في عدم وضع قواعد لتشغيل السد الإثيوبي وتبادل المعلومات والتنسيق الدائم، لتجنب تبعات زيادة الفيضان واحتمالات إغراق السودان وتضرر سدودها والسد العالي جنوب مصر، بجانب أزمات الشح المائي وقت الجفاف مع احتمال تراجع معدلات المطر فوق الهضبة الإثيوبية بفعل ظاهرة "النينيو" أو لحجب المياه لزيادة منسوب السد الإثيوبي أو مع بناء سدود جديدة على النيل الأزرق. وبالحديث إلى محللين مصريين حاولت "عربي21" عمل قراءة في الموقف الذي يجب أن تتخذه السلطات المصرية الآن، والإجابة على السؤال: هل تعلن دعمها للحكومة المركزية ورئيس الوزراء آبي أحمد، لكسبه لاحقاً في ملف التفاوض ولنفي أي دور لها في دعم الجماعات الإثيوبية المسلحة، أم تدعم مسلحي تيغراي وحلفاءهم بشكل غير مباشر.مساحة حركة لا تحسن موقفاً وأكد الكاتب الصحفي محمد الشبراوي أن "مقاربة المشهد الإثيوبي الداخلي الفترة الحالية، وتداعياته على الأمن المائي المصري، تتطلب الابتعاد عن التحليلات الرغائبية؛ فالتصعيد العسكري الحاصل حالياً قد يفتح أمام القاهرة مساحة من الحركة، لكنه لا يعني بالضرورة تحسناً في موقع مصر بملف مياه النيل". الباحث المصري في الشؤون المصرية والإقليمية والدولية قال لـ"عربي21": "بالفعل تفرض التطورات الداخلية ضغوطاً إضافية على الحكومة الإثيوبية، وتستنزف جانباً من قدراتها السياسية والأمنية واللوجستية، وقد تحد من قدرتها على تنفيذ بعض المشروعات المائية والخطط المستقبلية بالسرعة نفسها التي كانت تمضي بها في السابق؛ لكن ذلك لا يغير حقيقة أساسية، وهي أن سد النهضة أصبح واقعاً مائياً وجيوسياسياً قائماً، وأنه بات قضية ذات حساسية قومية تتجاوز الانقسامات الإثنية والسياسية داخل إثيوبيا". ويرى أن "الصراعات العسكرية والاضطرابات الداخلية قد تتيح للقاهرة مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية، لكنها لا تجعل الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم أكثر سهولة؛ فالحكومة التي تواجه ضغوطاً داخلية واسعة، كما هو الحال مع حكومة آبي أحمد حالياً، تكون عادة أكثر تحفظاً في تقديم تنازلات في ملف يرتبط بصورة مباشرة بالسيادة والمياه والرأي العام الداخلي".وضع السد والسياسة المائية وبالنسبة إلى السد نفسه، يعتقد المحلل السياسي المصري أنه "لا توجد، وفق المعطيات المتاحة حالياً، مؤشرات موثوقة على أن القتال الدائر في تيغراي وأمهرة وعفار يستهدف منشآته بصورة مباشرة، لكن استمرار الصراع لفترة طويلة يظل عامل مخاطرة؛ إذ يمكن أن يؤثر في قدرة الدولة على إدارة المنشآت الاستراتيجية، وفي انتظام عمليات التشغيل وتبادل البيانات والتنسيق مع دولتي المصب، وقد ينعكس كذلك على بعض خطط التطوير المرتبطة بالطاقة والمياه". وذهب للقول: "لا يبدو أن تغير موازين القوى داخل إثيوبيا سيؤدي، بمفرده، إلى تغيير جذري في السياسة المائية الإثيوبية؛ فالموقف من النيل وسد النهضة لا يرتبط بشخص آبي أحمد وحده، وإنما يستند إلى تصور أوسع داخل مؤسسات الدولة وإلى خطاب قومي يحظى بحضور قوي، ولذلك، فإن تغير القيادة أو اتساع الصراع الداخلي لا يعني تلقائياً تغير جوهر الموقف الإثيوبي، إلا إذا أفضى الصراع إلى إعادة تشكيل أوسع للسلطة ومؤسسات الدولة، بما ينعكس على طريقة تعريف المصالح الإثيوبية في ملف النيل".ماذا يجب على القاهرة؟ وبالنسبة إلى القاهرة، لا يعتقد الشبراوي أن "الخيارات ينبغي أن تُختزل في المفاضلة بين دعم حكومة آبي أحمد من جهة، ودعم الجماعات المسلحة من جهة أخرى؛ فالانخراط المباشر أو غير المباشر في دعم جماعات مسلحة إثيوبية يحمل مخاطر كبيرة، وإذا كُشف هذا الدور أو ظهرت أدلة عليه، فقد يتحول إلى عنصر تعبئة داخلية ضد القاهرة". "ويمنح حكومة أديس أبابا فرصة لربط أزمتها الداخلية بالصراع مع مصر، بما قد يدفعها إلى مزيد من التشدد؛ كما أن اتساع هذا المسار قد يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية تمس صورة مصر وعلاقاتها الدولية والأفريقية"، وفق رؤية الشبراوي. وأوضح أن "رهان القاهرة على حكومة آبي أحمد وحدها، أو تقديم دعم سياسي لها على أمل الحصول لاحقاً على تنازلات في ملف المياه، فإنه ليس رهاناً مضموناً؛ لأن الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا حول السد لم يكن مرتبطاً فقط بطبيعة العلاقة مع الحكومة الحالية، وإنما يتصل بعقيدة ورؤية إثيوبية أوسع لمسألة السيادة على الموارد المائية". ويرى أن "المهم بالنسبة للقاهرة هو التحوط وإدارة المخاطر وتجنب الانخراط في الصراع الداخلي الإثيوبي، مع متابعة التحولات في مراكز القوة داخل إثيوبيا، وهذه المساحة التي يمكن لمصر التحرك فيها؛ وفي الوقت نفسه، يمكن للقاهرة أن تحافظ على موقف رسمي يؤكد دعم استقرار المؤسسات الوطنية واحترام سيادة الدول ومكافحة الفوضى في القرن الأفريقي، مع مواصلة التحرك الدبلوماسي والقانوني في ملف السد، وتوسيع التنسيق مع دول الإقليم والمجتمع الدولي بشأن أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومياه النيل". وأكد أن "المسألة في النهاية، كيف ستتعامل القاهرة مع تداعيات التصعيد في إثيوبيا من دون أن تتحول إلى طرف في صراع داخلي معقد؟ فالاضطرابات الحالية لا تحل أزمة مياه النيل، ولا توجد في الوقت نفسه مؤشرات موثوقة على أنها تشكل تهديداً مباشراً لسد النهضة، لكنها تضيف متغيراً جديداً إلى ملف شديد التعقيد، وقد تؤثر، إذا طال أمدها، في حسابات الدولة الإثيوبية وقدرتها على إدارة عدد من ملفاتها الاستراتيجية". وخلص للقول: "من هنا، فإن المطلوب من القاهرة هو مراقبة اتجاهات الصراع بدقة والاستعداد لتداعياته المحتملة، من دون النظر إلى ما يحدث من اضطرابات داخلية باعتبارها فرصة لإضعاف إثيوبيا؛ فالمهم هو أن تحافظ القاهرة على مساحة حركتها في ملف النيل، وتجنب خطوات قد تحول الاضطراب الداخلي في إثيوبيا من متغير يمكن احتواؤه إلى مصدر جديد للمخاطر على الأمن المصري واستقرار المنطقة".تشابكات حوض النيل والقرن الأفريقي وتشهد علاقات مصر وإثيوبيا تشابكات عدة، منذ إعلان بناء "سد النهضة" على النيل الأزرق نيسان/أبريل 2011، ما أحدث تأزماً أنهاه توقيع رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي، آذار/مارس 2015، "إعلان المبادئ" مع الخرطوم وأديس أبابا، والذي منح الأخيرة فرصة للحصول على اعتراف دولي بالسد وتمويله، لتقرر أديس أبابا في تموز/يوليو 2020 منفردة ودون اتفاق ملزم ملء خزان السد حتى افتتحته العام الماضي. في المقابل تعزز مصر حضورها العسكري بمنطقة القرن الأفريقي، بعلاقات جيدة مع إريتريا التي تعيش صراعاً تاريخياً مع إثيوبيا، وكذلك بتوقيع القاهرة اتفاقية تعاون عسكري مع الصومال آب/أغسطس 2024، وإرسال عتاد وقوات مصرية لمقديشو، لدعم سيادتها ضد رغبة إثيوبيا في منفذ بحري وقاعدة عسكرية على البحر الأحمر عبر إقليم صوماليلاند إثر مذكرة تفاهم في كانون الثاني/يناير 2024. اظهار أخبار متعلقة ومنذ قمة العاصمة الإريترية أسمرة الثلاثية في تشرين الأول/أكتوبر 2024، وتشكيل تحالف بين مصر والصومال وإريتريا، وتتواصل الاتهامات الإثيوبية للدول الثلاث بشكل غير مباشر لعرقلة وصولها إلى البحر الأحمر، ودعم مسلحي تيغراي، حيث تحدث رئيس أركان الجيش الإثيوبي برهانو جولا، في 16 حزيران/يونيو 2025، عن سعي أطراف إقليمية لإضعاف أديس أبابا وحرمانها من منفذ بحري، متهماً جبهة تحرير تيغراي بـ"مجاراة هذا المخطط الإقليمي". وبجانب ملف المياه، وتسبب الإدارة الإثيوبية الأحادية في إغراق السودان بتصريف مفاجئ من بحيرة السد في أيلول/سبتمبر 2020، وحتى حجز المياه في آب/أغسطس الماضي وتعطل محطات شرب سودانية؛ تمر علاقات الخرطوم وأديس أبابا بأسوأ مراحلها، منذ أزمة منطقة "الفشقة" الحدودية كانون الأول/ديسمبر 2020، وحتى اندلاع الحرب بالسودان نيسان/أبريل 2023، وتقديم أديس أبابا غطاءً سياسياً ودعماً لوجستياً لقوات "الدعم السريع" ضد الجيش السوداني.

بعد محاصرة 7 مجموعات عرقية أديس أبابا.. هل ستنتهي أزمة مياه النيل أم تتعقد؟
٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦
٣٠ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)