في مستهل الحلقة، تحدثت ندى يافي عن علاقتها الخاصة باللغة العربية، منطلقة من عبارة تختصر علاقتها باللغة العربية: "وطني هو اللغة العربية."
وأوضحت أن هذه العلاقة لم تولد مع عملها في الترجمة أو الدبلوماسية، وإنما بدأت منذ طفولتها في لبنان، حيث كانت اللغة العربية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية داخل الأسرة، رغم الدراسة في مدارس فرنسية والانفتاح المبكر على الثقافة الغربية.
استحضرت في هذا السياق مقولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "أنا لغتي. أنا ما قالت الكلمات: كن جسدي، فكنت لنبرها جسداً"، معتبرة أن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي امتداد للهوية والذاكرة والانتماء.
وأضافت المترجمة اللبنانية أن انتقالها إلى فرنسا لم يضعف هذه العلاقة، بل جعلها أكثر رسوخاً، إذ تحولت العربية بالنسبة إليها إلى وطن معنوي حملته معها خارج لبنان، وإلى مساحة تحفظ فيها ذكرياتها وحنينها إلى الماضي. ومن هنا جاءت رغبتها في العمل بالترجمة الفورية، ثم في السلك الدبلوماسي، حتى تظل العربية حاضرة في حياتها المهنية، مؤكدة أن الترجمة بالنسبة إليها ليست مجرد نقل للكلمات، وإنما هي "حالة ذهنية دائمة للتوفيق بين وجهات النظر وتقريب الثقافات"، لأنها تقوم على فهم الآخر وبناء الجسور بين الشعوب أكثر مما تقوم على نقل المعنى اللغوي فقط.
عادت الكاتبة اللبنانية إلى سنوات الطفولة في بيروت، متحدثة عن البيئة العائلية التي نشأت فيها، حيث كان والدها جنرالاً في الجيش اللبناني، بينما كانت والدتها تنحدر من أصول تركية، وقد لعب كلاهما دوراً كبيراً في تكوين شخصيتها.
وأوضحت أن والدها غرس فيها منذ الصغر احترام الدولة والقانون ورفض الوساطات والمحسوبية، مؤمناً بأن الكفاءة وحدها هي أساس بناء المجتمعات. أما والدتها فقد علمتها احترام الآخرين والالتزام بقواعد اللياقة والبروتوكول، وهو ما انعكس لاحقاً على مسيرتها الدبلوماسية.
استحضرت صورة لبنان الذي عرفته في طفولتها، لبنان المنفتح والمتعدد، الذي جمع بين الشرق والغرب، وبين الثقافة العربية والثقافة الأوروبية، واعتبرت أن تلك المرحلة كانت مليئة بالأمان والحرية والجمال قبل أن تعصف بها الحرب الأهلية.
وقالت إن لبنان بالنسبة إليها "نعمة ونقمة في الوقت نفسه"؛ نعمة لأنه استطاع أن يقدم نموذجاً للتنوع الثقافي والانفتاح، ونقمة لأن نظامه الطائفي جعل البلد عرضة للتجاذبات الداخلية والخارجية، وهو ما قاد إلى أزمات متكررة انتهت بالحرب الأهلية التي غيرت حياة جيل كامل من اللبنانيين.
انتقل الحوار بعد ذلك إلى واقع اللغة العربية في فرنسا، حيث اعتبرت ندى يافي أن هذه اللغة تعيش مفارقة حقيقية؛ فهي تحظى باحترام كبير داخل الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية الفرنسية، وفي الوقت نفسه تتعرض لحملات سياسية وإعلامية متكررة، خاصة خلال الفترات الانتخابية. وقالت إن اللغة العربية هي ثاني أكثر اللغات انتشاراً في فرنسا، وإنها لغة عالمية يتحدث بها مئات الملايين، ولا يجوز اختزالها في بعدها الديني أو ربطها حصراً بالهجرة أو الإسلام.
وأضافت أن كل محاولة لتطوير تعليم العربية داخل المدارس الفرنسية كانت تواجه موجات من الرفض والتخويف، رغم أن تعلم اللغات الأجنبية يمثل عامل انفتاح ثقافي ومعرفي، وليس تهديداً للهوية الوطنية.
كما أوضحت أن هذه المفارقة دفعتها إلى البحث في جذورها التاريخية، وهو ما أثمر كتابها "مرافعة من أجل اللغة العربية" الصادر عام 2023، الذي حاولت فيه تفسير الخلفيات السياسية والثقافية للنظرة السلبية إلى العربية، معتبرة أن جزءاً من هذه النظرة يعود إلى الإرث الاستعماري الفرنسي في الجزائر، حيث حوربت اللغة العربية خلال فترة الاستعمار، وترسخت لدى بعض التيارات السياسية صورة تربط العربية بقضايا الهوية والهجرة، وهي صورة ما تزال تلقي بظلالها على النقاش السياسي حتى اليوم.
من أبرز محطات مسيرة ندى يافي المهنية، سنوات عملها مترجمةً رسمية في قصر الإليزيه، حيث عملت إلى جانب الرئيسين الفرنسيين فرانسوا ميتران وجاك شيراك، وعايشت عن قرب عدداً من أبرز الأحداث السياسية والدبلوماسية المتعلقة بالعالم العربي.
بالنسبة لها، كان ميتران يتمتع بثقافة واسعة ونظرة استراتيجية بعيدة المدى، وكان شديد الاهتمام بالقضية الفلسطينية وبالعلاقات مع الدول العربية، بينما كان جاك شيراك أكثر قرباً من الناس وأكثر عفوية في تعامله مع القادة العرب والجمهور، حتى إنه كان يحرص على إنهاء بعض خطاباته بكلمات عربية بعد أن يسألها عن النطق الصحيح.
وقالت في وصفهما: "حضور ميتران كان مهيباً... أما حضور جاك شيراك فكان مطمئناً."
كما روت المترجمة السابقة تفاصيل مشاركتها في الزيارة التاريخية للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى باريس عام 1989، معتبرة أنها كانت اختباراً مهنياً كبيراً لها كمترجمة، خاصة خلال المؤتمر الصحفي الذي حضره عدد هائل من الصحفيين ووسائل الإعلام العالمية، مؤكدة أن تلك الزيارة شكلت محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الفرنسية الفلسطينية.
بعد سنوات من العمل في الترجمة، اختارت ندى يافي الالتحاق بالسلك الدبلوماسي الفرنسي، لتشغل منصب القنصل العام لفرنسا في دبي، ثم سفيرةً في الكويت.
أكدت أن انتقالها إلى العمل الدبلوماسي لم يكن انتقالاً من مهنة إلى أخرى، بل كان امتداداً طبيعياً للفلسفة التي آمنت بها منذ بداياتها، وهي التقريب بين الثقافات والحوار بين الشعوب.
وقالت إنها كانت تشعر بأنها في مكانها الطبيعي لأنها تجمع بين معرفتها العميقة بالعالم العربي وانتمائها إلى الدولة الفرنسية، التي منحتها الفرصة لتولي مسؤوليات دبلوماسية رفيعة، معتبرة أن دولة القانون هي التي تسمح للأفراد بالتقدم وفق الكفاءة والعمل، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
بعد تقاعد يافي من السلك الدبلوماسي، عادت ندى يافي إلى مشروعها الثقافي الأهم، وهو خدمة اللغة العربية من خلال إدارة مركز اللغة العربية والحضارة العربية في معهد العالم العربي بباريس.
وتحدثت عن البرامج التعليمية التي أطلقها المركز، وعن حرصه على تطوير طرق تدريس العربية للكبار والصغار، بعيداً عن الأساليب التقليدية التي تجعل تعلمها عملية صعبة ومنفرة.
كان ختام الحوار مع كتاب ندى يافي "فليأتِ الموت بالأمل"، وهو كتاب يضم ترجمات لقصائد شعراء وشاعرات من قطاع غزة، صدر في خضم الحرب على غزة، ليكون شهادة أدبية وإنسانية على معاناة الفلسطينيين.
وأكدت أن المشروع لم يكن مجرد عمل في الترجمة الأدبية، بل تجربة إنسانية عميقة أثرت فيها شخصياً، لأنها وجدت في قصائد شعراء غزة تمسكاً استثنائياً بالأمل رغم الموت والدمار. وقالت: "ما أدهشني هو أن كل هذه القصائد كانت تحمل أملاً لا ينكسر، رغم كل ما يعيشه أصحابها."
واختتمت الحلقة بقراءة مؤثرة لقصيدة "عبر خيالات ثلاثة أطفال" للشاعرة والكاتبة الفلسطينية فداء زياد، التي جسدت براءة الطفولة الفلسطينية في مواجهة الحرب، في لحظة إنسانية مؤثرة لخصت رسالة الحلقة بأكملها: أن اللغة والثقافة والأدب قادرة على أن تحفظ الذاكرة، وتنقل الحقيقة، وتبقي الأمل حياً حتى في أكثر اللحظات قسوة.

ندى يافي: "في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها لغة التطرف"
٣١ يوليو ٢٠٢٦
٢١١ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.


التعليقات (0)