
في الثامن من مارس/آذار، يتجدد الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة. مناسبة تكرم فيها إنجازات النساء وتستعاد معها قائمة طويلة من الحقوق المؤجلة.
وبين خطاب يرفع شعارات المساواة وواقع لا يزال يحفظ فجوات عميقة، يبرز السؤال: هل يبقى هذا اليوم احتفالا عابرا، أم يتحول إلى قوة ضغط تغير حياة النساء فعلا؟
تعود جذور اليوم العالمي للمرأة إلى أوائل القرن العشرين، حين خرجت النساء في أوروبا والولايات المتحدة للاحتجاج على ظروف العمل غير العادلة والمطالبة بحقوق متساوية.
في عام 1908 نظمت عاملات في الولايات المتحدة مظاهرات ضد ساعات العمل الطويلة والأجور المنخفضة، بينما شهدت أوروبا حركات مشابهة طالبت بحق المرأة في التصويت والعمل. ومع مرور العقود، تحول هذا الحراك المتناثر إلى حركة عالمية أوسع.
وفي عام 1975 اعتمدت الأمم المتحدة رسميا يوم 8 مارس مناسبة دولية للاحتفال بالمرأة، وفرصة للاعتراف بإنجازاتها وتسليط الضوء على التحديات المستمرة، من التعليم والعمل إلى المشاركة السياسية.
لا يغير اليوم العالمي للمرأة الواقع وحده، لكنه يوفر منصة سنوية لتسليط الضوء على القضايا التي تواجه النساء في مختلف المجالات، وتحفيز المجتمع والحكومات على التفكير في حلول عملية.
تشير تقارير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) إلى أن هذا اليوم يساهم في رفع الوعي وتحريك النقاش العام، لكنه لا يحقق تغييرا مباشرا من دون سياسات مستمرة وإصلاحات قانونية. وخلال هذا اليوم تتكثف:
في مدن عدة حول العالم، خرجت نساء في مسيرات ومظاهرات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، مطالبات بالمساواة ورافضات للعنف والتمييز. ففي مدينة مظفر آباد في باكستان رفعت متظاهرات لافتات تندد بانتهاكات حقوق النساء في كشمير، بينما شاركت نساء في برشلونة الإسبانية في مسيرة احتجاجا على استمرار عدم المساواة بين الجنسين.
وبينما تحصل بعض النساء في أماكن العمل على ورود ورسائل تهنئة، تذكّرهن الأرقام بأن الفجوة في الأجور والفرص ما زالت قائمة، وأن ما يقال في هذا اليوم لا ينعكس دائما على واقعهن اليومي.
تكشف الإحصاءات العالمية عن استمرار فجوة واضحة بين الرجال والنساء على مستوى الحقوق والحماية القانونية. فبحسب تقديرات دولية، لا تتمتع النساء إلا بنحو 64% من الحقوق القانونية التي يحظى بها الرجال، وإذا استمر التقدم الحالي بالوتيرة نفسها، فقد يستغرق سد هذه الفجوات نحو 286 عاما قبل الوصول إلى مساواة قانونية كاملة.
وتسمح قوانين في عدد من البلدان بالزواج المبكر وزواج الأطفال، مما يقوض إمكانات نحو 12 مليون فتاة سنويا، ويعيق فرصهن في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية.
تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن النساء في المنطقة العربية ما زلن يواجهن عوائق كبيرة في طريق المساواة والتمكين. ووفق تقرير مشترك للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن التقدم في مجالات التمكين الاقتصادي والسياسي لا يزال بطيئا، رغم تحقيق مكاسب نسبية في التعليم والخدمات الصحية.
وتسجل المنطقة العربية ثاني أوسع فجوة بين الجنسين في العالم من حيث مؤشر النوع الاجتماعي، إذ تؤدي التفاوتات في المشاركة الاقتصادية والتعليم والتمثيل السياسي إلى تقدم غير متوازن مقارنة بدول ذات مستويات تنمية مشابهة.
هذا يعني أن اليوم العالمي للمرأة في المنطقة لا يأتي فقط للاحتفال، بل لتذكير الحكومات والمجتمعات بحجم الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش.
يحتفى باليوم الدولي للمرأة لعام 2026 تحت شعار: "الحقوق – العدالة – العمل.. من أجل جميع النساء والفتيات".
ويدعو هذا الشعار إلى اتخاذ تدابير حاسمة لإزالة العوائق التي تحول دون تحقيق العدالة المتكافئة، بما في ذلك:
في هذا السياق، يظل اليوم العالمي للمرأة مهما لأنه:
لكنه في الوقت نفسه لا يكفي وحده، فالتقدم الحقيقي يحتاج إلى:
ويبقى السؤال مفتوحا: هل يكفي يوم عالمي واحد لتذكير العالم بقضايا النساء، أم نحتاج إلى 365 يوما من الجهود الحقيقية والمستمرة، حتى يصبح هذا اليوم انعكاسا لواقع أفضل، لا مجرد لحظة رمزية عابرة؟
