في غضون أقل من ثلاثة أشهرـ يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026ـ ستستعد وفود حلف الناتو لعقد قمتهم في أنقرة. جدول الأعمال خال، وحضور الضيف الأهم، الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، غير مؤكد. سيكون لدى الحلفاء الأوروبيين متسع من الوقت للتفكير في قائمة خياراتهم الأمنية القصيرة بشكل مثير للقلق.
في الواقع، باتت عملية إضفاء الطابع الأوروبي على حلف الناتو أمرا محسوما. فابتداء من عام 2027، ستساهم الولايات المتحدة بنسبة 50% فقط من القوة القتالية العسكرية للحلف، أي أقل بكثير مما هي عليه اليوم. ولهذا السبب وحده، لم يعد السؤال هو ما إذا كان حلف الناتو سيصبح أكثر أوروبيةً، بل السؤال هو: بأي مسار، ومتى؟
السؤال الذي يواجه الأوروبيين الآن هو: "ماذا بعد؟"
ففي خضم الحديث المتواصل عن الاستقلال الإستراتيجي- أي التحرر من الهيمنة الأمريكية- لم يتمكنوا قط من حشد الموارد المالية والإرادة السياسية والوحدة اللازمة لتحقيق ذلك، إذ تعد الجدوى المالية التحدي الأكبر. فمستوى الإنفاق العسكري الحالي للاتحاد الأوروبي غير متناسب.
ففي عام 2025، لم تستوف سوى ثلاث دول من أعضائه، وهي بولندا، واليونان، وإستونيا، شرط تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي الذي حدده الناتو. أما دول أخرى مثل بلجيكا، وإسبانيا، وإيطاليا، فتخصص بالفعل أقل من 1.3% من ناتجها المحلي الإجمالي لهذا الغرض.
وفي المؤتمر السنوي للمجتمع والدفاع، الذي عقد في السويد (من 11 إلى 13 يناير/تشرين الأول 2026) دعا المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، إلى إنشاء جيش أوروبي قوامه 100 ألف جندي للدفاع، وليحل محل القوات الأمريكية في أوروبا عند الضرورة.
وخلال كلمته، ذكر كوبيليوس أن الولايات المتحدة طلبت رسميا من أوروبا الاستعداد لتولي مسؤولية الدفاع التقليدي عن المنطقة.
وتساءل: "إذا انسحب الأمريكيون من أوروبا، فكيف سننشئ ركيزة أوروبية لحلف الناتو؟ من سيكون القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا؟ ماذا عن قدرات القيادة والسيطرة الأوروبية، وهيئة الأركان الأوروبية؟
والأهم من ذلك، كيف سنستبدل القوات الأمريكية النظامية البالغ قوامها 100 ألف جندي، والتي تشكل العمود الفقري للقوة العسكرية في أوروبا؟"
ويشير تقييم أجراه المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في مايو/أيار 2025 إلى أن استبدال القدرات الأمريكية سيكلف نحو تريليون دولار على مدى 25 عاما.
ويقلل هذا الرقم من حجم المشكلة، لأن المعدات يمكن شراؤها، بينما المعرفة التي تجعل هذه المعدات فعالة يتعذر الحصول عليها. ما تقدمه الولايات المتحدة ليس مجرد قدرات، بل لغة عمل مشتركة، تمكن القوات المتحالفة من التنسيق بسرعة تحت الضغط.
والحال أنه لم تغب ـ يوما ما ـ عن المنظرين العسكريين الأوروبيين مناقشة فكرة إنشاء جيش مشترك منذ انطلاق المشروع الأوروبي في بدايات الحرب الباردة.
وعادة ما يستدعي مجتمع النخبة العسكرية، توقعات الجنرال دوايت أيزنهاور، عند تأسيس حلف الناتو عام 1949، أن يكون الدور المهيمن للجيش الأمريكي في الحلف قصير الأجل. وقال: "إذا لم تعد جميع القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا لأغراض الدفاع الوطني إلى الولايات المتحدة خلال عشر سنوات، فسيكون هذا المشروع برمته قد فشل".
وقد نجحت إدارة أيزنهاور بالفعل ـ آنذاك ـ في إقناع القادة الأوروبيين بالموافقة على إنشاء جيش أوروبي مشترك، إلا أن البرلمان الفرنسي أحبط مسعاها. وكان المشروع الأوروبي على بعد أصوات قليلة من أن يتحول إلى كيان عسكري بدلا من مشروع اقتصادي.
ثم أعيد إحياء فكرة القوة الأوروبية المشتركة في التسعينيات مع تأسيس الاتحاد الأوروبي، لكن المفهوم فقد شعبيته؛ بسبب معارضة الولايات المتحدة والتزامها بحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وفي عام 2017، وقع ممثلو 23 دولة من أصل 28 دولة عضوا في الاتحاد الأوروبي، إعلانا بشأن إنشاء التعاون الهيكلي الدائم في مجال الأمن والدفاع (PESCO)، وهو في الواقع اتحاد دفاعي أوروبي. وفي وقت لاحق، انضمت بقية الدول الأعضاء، باستثناء مالطا، إلى هذا الهيكل.
وفي مارس/آذار 2025، حددت المفوضية الأوروبية سياسة الاتحاد الدفاعية حتى عام 2030. وفيها، اعترف الاتحاد الأوروبي بروسيا كتهديد جوهري، ووضع خطة تطوير إستراتيجية لتعزيز القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا خلال السنوات الخمس المقبلة.
لكن تركيز المناقشات الأوروبية انصب بالكامل تقريبا، طوال الوقت على التمويل، وليس على المشكلة الهيكلية الهائلة المتمثلة في المشهد الدفاعي الأوروبي المتشظي، والذي يتألف من 25 جيشا: الإرث الهيكلي الذي خلفته الحرب الباردة بعد 75 عاما، حيث تمتلك أوروبا قوات تقليدية متطورة في بعض دولها، وقوة جوية محدودة من الجيل الخامس، وردعا نوويا يقتصر على دولتين في حلف الناتو، ولكنه غير ممتد، رسميا أو عمليا، إلى الحلف.
ولا يمكن بحال تجاهل حقيقة، أن جوهر ما تقدمه الولايات المتحدة ليس مجرد الكم، بل القدرة على التكامل، بما في ذلك البنية التحتية الاستخباراتية، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وقدرات الضربات الدقيقة، إذ لم يطلب من أوروبا قط تطوير هذه التكنولوجيا؛ لأن أمريكا طورتها لها بالوكالة عنها.
يضاف إلى ذلك غياب التماسك السياسي بين الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي، الذي قد خلق ما أسماه جوزيب بوريل، الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي، "جيوش البونساي": قوات وطنية صغيرة تعاني من نقص التمويل، وغير قادرة على بسط نفوذها بشكل جماعي.
ثمة اتجاهات لا تكف عن إزعاج العواصم الغربية، ليس فقط بشأن المستقبل البعيد لما بعد الناتو، وإنما بشأن اليوم التالي لانهياره رسميا. إذ توصي تلك الاتجاهات القلقة، بأنه لا يتعين على أوروبا التخطيط فقط لانتقال منظم، من الأمركة إلى الأَوربة، بل يتعين عليها كذلك أن تأخذ في الحسبان أسوأ السيناريوهات: كيف يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها- ليس في وقت بعيد في المستقبل، بل اليوم- دون الولايات المتحدة.
وما هي القدرات المتاحة فعلا، وما هي غير المتاحة، وما هي القدرات الحاسمة سياسيا أو عسكريا؟ هذه أسئلة قد تكون فعلا مزعجة لصناع السياسات الكبرى في أوروبا. ولكن دون الخوض فيها، يبقى النقاش تقنيا بحتا، ويقلل من شأن خطورة حالها فيما بعد الناتو.
وتعتمد هذه التوصية على أنه، لا يمكن حل تحدي إعادة تصميم السياسة الأمنية الأوروبية بمجرد قائمة مشتريات. تكمن الفجوة الحقيقية في القيادة السياسية والعسكرية: من سيقرر التصعيد، والأولويات، والقيادة العملياتية، وتوزيع المخاطر؟ من سيحول الأهداف السياسية إلى خيارات عسكرية؟
ويرى البعض أن السبيل الأرجح للمضي قدما هو أن تقوم مجموعة صغيرة من الدول الراغبة- ربما 12 دولة عضوا في حلف الناتو- ببذل قصارى جهدها في الوقت المتاح. وستكون نواة هذه الجهود هي القوة الاستكشافية المشتركة، وهي تحالف بقيادة المملكة المتحدة يضم الدول الإسكندنافية الخمس، وثلاث دول من دول البلطيق، وهولندا.
وبإضافة بولندا إلى هذا التحالف، إلى جانب بعض المساعدة من ألمانيا وفرنسا، سيتشكل تحالف عسكري قادر على الدفاع عن نفسه ضد أي تهديد روسي محتمل.
ويقترح آخرون أن يكون أحد الخيارات المتاحة هو إحياء معاهدة بروكسل لعام 1948 التي أنشأت اتحاد أوروبا الغربية قبل انضمامه إلى حلف الناتو، والذي تم دمجه في الاتحاد الأوروبي عام 2010، وذلك لمنح اتحاد دفاع أوروبي أساسي قاعدة قانونية تضم دول الاتحاد الأوروبي الراغبة، بالإضافة إلى المملكة المتحدة والنرويج.
قد يستغرق ذلك وقتا أطول من اللازم؛ لتلبية الاحتياجات الحالية. ولكن إذا أرادت أوروبا الدفاع عن نفسها بمساعدة أمريكية محدودة- أو ربما بدون مساعدة- فإن وجود هيئة مرنة قادرة على صياغة القرارات واتخاذها بسرعة في أوقات الأزمات أمر ضروري.
ويبدو أن مجلس الأمن الأوروبي الفعلي هذا هو الخيار الأقرب إلى الخروج من المأزق الأمني الخطير، الذي بات إلى أوروبا أقرب من شراك نعال قادتها السياسيين.
تبقى الإشارةـ هناـ إلى أنه قد بات من الواضح أن الحقبة التي كان بإمكان أوروبا فيها تأجيل هذا الخيار قد ولت. فالضمانة الأمريكية التي جعلت هذا الخيار غير ضروري باتت مشروطة.
والتهديد الذي يجعل المسألة ملحة لا يزال قائما. والزخم السياسي، في برلين، ووارسو، وباريس، وغيرها، يسير في الاتجاه الصحيح. السؤال هو: هل يسير هذا الزخم بالسرعة الكافية، وهل يسير في الاتجاه نفسه في جميع العواصم السبع والعشرين؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

ما توقعه أيزنهاور منذ 7 عقود لأوروبا يتحقق اليوم
١٢ مايو ٢٠٢٦
٦ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)