
تناول برنامج "قال الحكيم" في حلقة "عن العفو" -التي يمكن متابعتها من هذا الرابط– هذه المسألة الإنسانية العميقة، جامعاً بين حكمة التراث الإسلامي وأصوات مفكرين غربيين، في رحلة تأملية تبحث عن جواب لسؤال يعيشه كل إنسان في لحظة ما من حياته.
وتتباين الرؤى حول طبيعة العفو من حيث تأثيره على النفس؛ فالكاتبة الأمريكية ماريان ويليامسون ترى أنه ليس سهلاً دائماً، وقد يكون أكثر إيلاماً من الأذى الأصلي، لكنها تُقر بأنه الطريق الوحيد إلى السلام.
وفي الاتجاه ذاته، يُقدّم المؤثر الكندي برايان تريسي العفوَ من زاوية مختلفة تماماً، إذ يصفه بأنه "عمل أناني" في جوهره لأنه يُحرر صاحبه من سجن الماضي لا المُسيء.
وعلى المنوال ذاته، يُحذّر الشاعر الإنجليزي جورج هربرت من عدم العفو بصورة استعارية بليغة، إذ يصفه بأنه هدم للجسر الذي قد يحتاج المرء إلى عبوره يوماً ما.
وفي تصنيف إنساني دقيق، يقسم المفكر توماس شاز البشر في علاقتهم بالعفو إلى ثلاثة أصناف: الأحمق الذي لا يعفو ولا ينسى، والساذج الذي يعفو وينسى، والحكيم الذي يعفو لكنه لا ينسى، وفي هذا التمييز الأخير -بحسب راوي "قال الحكيم"- حكمة بالغة؛ فالعفو لا يعني إلغاء الذاكرة، بل اختيار ألا تحكم الذاكرةُ المسيرَ.
وفي التراث الإسلامي يرتفع العفو إلى مقام أسمى؛ فالنبي سليمان عليه السلام -فيما رواه الإمام الأندلسي ابن عبد البر- جعل العفو والعدل خير ما أوتي من حكمة، رغم أنه أوتي ما لم يُؤتَ أحد.
وبلغ الحسن بن علي -رضي الله عنهما- في العفو مبلغاً أذهل من سمعه، إذ أعلن استعداده لقبول اعتذار من شتمه في الأذن، ورأى الإمام الزاهد الحسن البصري أن العفو هو أفضل أخلاق المؤمن على الإطلاق.
بيد أن السؤال الأصعب يبقى: هل يُلاقي العفوُ في النفس لذة حقيقية، أم أن التشفي أحلى وقعاً؟ يجيب المؤرخ شهاب الدين النويري بحسم: "لذة العفو أطيب من لذة التشفي"، ويعلل ذلك بأن لذة العفو يعقبها حمد العاقبة، في حين يعقب التشفيَ ندمٌ لا يفارق.
وخلافاً لمن يرى العفو وحده كافياً، يُضيف الإمام ابن حبان بُعداً آخر؛ إذ يرى أن توطين النفس على الإحسان إلى المُسيء هو أجدى طريق لإطفاء الإساءة.
أما الإمام علي -رضي الله عنه- فيُقدّم خطة نفسية عملية تُيسّر العفو على النفوس؛ إذ يدعو إلى جعل العفو شكراً لله على نعمة القدرة على العقوبة، فيتحول من تنازل مُكلف إلى عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه.
وتختم الحلقة بمشهد نبوي جامع؛ حين سأل صحابي النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد مرات عفو الإنسان عن خادمه، فكان الجواب بعد ثلاث مرات من السؤال: "اعفُ عنه في كل يوم سبعين مرة"، وفي هذا العدد الذي يتجاوز الحصر رسالة واضحة؛ العفو ليس استثناءً في حياة المؤمن، بل هو نَفَسه اليومي الذي يُبقيه حياً من الداخل.
