نشرت صحيفة "الغارديان" مقالاً للصحفية شدا إسلام استذكاراً لوفاة والدتها، حيث قالت إن الحزن تجربة إنسانية عامة، لكن القدرة على إقامة مراسم الحداد تُعد امتيازاً. أما بالنسبة لأولئك الذين يموتون في الحروب، من غزة إلى السودان، فلا كفن ولا قبر ولا جنازة. وفيما يلي نص لترجمة مقالها: كانت تلك المكالمة الهاتفية الصباحية المبكرة التي يخشاها الكثير منا. كانت أمي في قسم الطوارئ بالمستشفى المحلي، وتكافح من أجل التنفس. تحركتُ بشكل آلي؛ حجزتُ أول رحلة متاحة إلى كراتشي، وحشوتُ بعض الملابس في حقيبة، وأخذتُ جواز سفري، ثم توجهتُ إلى مطار بروكسل بقلب مثقل بالهموم. اظهار أخبار متعلقة قبل ذلك باثنتي عشرة ساعة فقط، كنا قد تحدثنا عبر الهاتف. كان ذلك يوم عيد ميلادي. كانت كعادتها مرحة ومبتهجة، يتردد صدى ضحكتها المميزة وهي تسرد لي قصصاً من طفولتي. سألت عن حفيدتي - ابنة ابنتي، التي كانت تعشقها - وأرادت أن تعرف ما الذي أعمل عليه وإلى أين أخطط للسفر بعد ذلك. كنا قد خططنا لقضاء جزء من هذا الشهر وشهر آب/ أغسطس معاً في منزلها بكراتشي؛ أنا وهي فقط. وكما فعلنا في العام الماضي - بعد وفاة أختي الصغرى التي تركتنا بقلوب محطمة - كنا سنجلس معاً ونتحدث، ونلتقي بأصدقاء قدامى، ونستمتع بمقاهي ومطاعم كراتشي الاستثنائية. كنا سنشتري كعكة الشوكولاتة ونتناول الكرواسون في الإفطار، وهو مذاق اعتادت عليه أثناء إقامتها في بلجيكا. كنت قد بدأت أفكر في فكرة الانتقال مؤقتاً إلى باكستان، واستئجار مكان لأكون قريبة منها، أو حتى دعوتها للمجيء والإقامة معي في بلجيكا. لكن عندما اقترحتُ ذلك عليها، رفضت قائلة: "لديك عملك وحياتك. فقط زورينا هذا الصيف كما خططتِ". كان يجدر بي ألا أستمع لذلك الكلام. عندما نزلتُ من الطائرة وهرعتُ إلى غرفتها في المستشفى، أشرق وجهها. مدت ذراعيها لتعانقني، وضحكت بخفة ونحن ننظر إلى صور حفيدتي، بما في ذلك مقطع فيديو قصير لها وهي تنادي "ناني ما" (جدتي). ولكن في وقت لاحق من تلك الأمسية، أخبرتني أنها -بعد التحدث معي في عيد ميلادي ومحادثة العديد من بنات إخوتها وأخواتها اللواتي كنّ عزيزات على قلبها- شعرت بحزن عميق غمرها حين ذهبت إلى فراشها، وظلت تبكي وتبكي. لقد كان العام المنصرم عصيباً؛ فقد كانت تفتقد أختي الصغرى بشدة، كما أن صديقة مقربة لها كانت قد توفيت للتو في حادث سيارة. وقالت لي: "لا أستطيع تجاوز هذا الألم". أمسكتُ بيدها وقبّلتها وأخبرتها أنني أحبها. كان تنفسها متعثراً، لكن وعيها كان صافياً تماماً كعادتها؛ فقد أرادت ساعتها لتتمكن من متابعة الوقت، كما أنها كوّنت صداقة مع الطبيب المتدرب الشاب الذي كان يعتني بها في وحدة العناية المركزة. عندما غادرتُ في تلك الأمسية، كنت أظن أنها ستعود إلى المنزل قريباً، وأنها إن وافتها المنية، فسيحدث ذلك بسلام في سريرها وبينما أكون أنا بجانبها. لكن بدلاً من ذلك، توفيت في قسم الطوارئ في الساعات الأولى من يوم 14 حزيران/ يونيو. وفي الأيام التي تلت ذلك، وصل ابني وابنتي جواً لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جدتهما الحبيبة "ناني"، وبدأ الأصدقاء وأفراد العائلة في التوافد لتقديم التعازي. وتوالت الرسائل من جميع أنحاء العالم، وكانت كل رسالة منها بمثابة هدية ثمينة. شيئاً فشيئاً، كشفت تلك الرسائل الشخصية عن جوانب من حياة أمي لم أكن أعرفها تماماً من قبل؛ فقد استذكر طلابها السابقون مواقف طيبة كانت هي نفسها قد نسيتها منذ زمن بعيد، وتذكر الأصدقاء أحاديث تعود إلى عقود مضت، وتحدثت عمتي عن طفولتهما في لاهور. ومن خلال ذكرياتهم تلك، اكتشفنا شخصية أمي من جديد. وفي المقبرة، تولى جار محبوب جداً إلقاء دعاء قصير، وخلال التجمع الصغير لتأبينها، ألقيتُ كلمة تكريماً لأمي، "أبيدة قمر الإسلام"؛ فتحدثتُ عن ضحكتها، وعطفها، وأناقتها، وسحرها، وحبها للشعر، وتفانيها في خدمة طلابها، وعمق روحانيتها. ثم، وفي ليلة لم يزرني فيها النوم، أدركتُ أنني -رغم حزني الجارف- كنتُ من المحظوظات. محظوظة لأنني نشأتُ في كنف والدين شجّعاني على الاستقلالية، وتحمّلا بصبر نزعتي المتمردة، وأنصتا إلى جدالاتي التي لا تنتهي، ولم يقولا لي يوماً إنني عاجزة عن فعل هذا الأمر أو ذاك. لقد استقبلا بترحاب وحفاوة الرجل الإسباني الذي تزوجته في وقت لم تكن فيه الزيجات العابرة للثقافات أمراً شائعاً. وبعد طلاقي، وحين زرتُ كراتشي بصحبة شريكي الهولندي، استقبلته أمي ببريق في عينيها وقالت لي مُقِرّة ومستحسنة: "إنه رجل طيب". ودارت بينهما أحاديث حول الفن والجيوسياسة. لقد حظيتُ أيضاً بامتياز آخر، وأعمق أثراً؛ إذ أُتيحت لي فرصة الحداد. ففي الأسبوع الذي توفيت فيه أمي، كانت الحروب القاسية مستعرة بلا هوادة في بقاع شتى من العالم؛ ففي غزة ولبنان وإيران والسودان، كان الآباء يوارون أبناءهم الثرى، والأبناء يوارون آباءهم، تارة بلا كفن ولا قبر ولا جنازة، وتارة أخرى دون أن تتوفر حتى جثة للدفن. لقد طالت نيران الحروب والإبادة الجماعية تلك الطقوس والشعائر الإسلامية التي كانت تعينني على مواجهة فاجعة الفقد؛ ففي مناطق عديدة من العالم، لا يملك الناس وقتاً ولا أمناً ولا يقيناً، ولا يجدون قبراً يزورونه أو يزينونه بالزهور، ولا يستطيعون ببساطة أن يختلوا بأنفسهم ليعيشوا حزنهم. عندما يرحل أحباؤنا، نحتاج إلى الحداد؛ نحتاج إلى أن نحيط أنفسنا بمن يعرفوننا حق المعرفة، لنبكي معاً، ونستذكر معاً، ونحتفي بتلك الحياة التي انقضت. غالباً ما نتحدث عن امتيازات الثروة أو التعليم أو حرية التنقل أو الأمان؛ لكنني أدركتُ -للمرة الأولى في حياتي- أن هناك أيضاً "امتياز الحداد"، فالحداد يتطلب وقتاً وأماناً جسدياً ومجتمعاً حاضناً، وقبل كل ذلك، يتطلب أملاً؛ إنه يستلزم اليقين بأن الغد آتٍ، وأن ثمة مساحة ستُتاح لاستذكار الراحلين. لقد أدرك جيل أمي هذه الحقيقة؛ فقد عاصرت هي التقسيم المؤلم للهند وباكستان، وفهمت أن التاريخ كثيراً ما يسلب الناس العاديين -لا الحياة فحسب- بل أيضاً فرصة تكريم الموتى. ولهذا السبب، كانت تشعر بتضامن عميق مع الفلسطينيين والكشميريين والإيرانيين واليمنيين وشعب السودان، وكانت تسألني باستمرار عن سبب تردد أوروبا في التصدي لانتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان. كانت تنتمي إلى جيل من النساء الباكستانيات اللواتي تمتعن بثقة هادئة لا تتزعزع. كنّ رائدات عملن على توسيع حقوق المرأة، وتحسين التعليم، ومحاربة الفقر، وتعزيز مجتمعاتهن دون السعي وراء التقدير أو التصفيق. أحبت الشعر بقدر حبها للناس. كانت على طاولتها بجوار السرير مجموعة قصائد للشاعر الرومانسي "أختر شيراني"، الذي كانت تحفظ أبياته الرائعة باللغة الأردية وتلقيها عن ظهر قلب؛ وإلى جانبها كان المصحف الشريف. انحدرت والدتي من تقاليد صوفية عريقة، وكانت تعتز بنسبها الذي يعود إلى السيدة فاطمة، ابنة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم). لقد منحها إيمانها وروحانيتها السكينة والراحة في مواجهة قسوة العالم. وكثيراً ما كانت تتحدث عن والدها، "حكيم نيّار واسطي"، الذي كان طبيباً وكاتباً وشاعراً مرموقاً. أحبت أمي سرد حكايات لقائها بوالدي؛ ذلك الرجل الوسيم الذي كان يعمل في الخدمة المدنية الهندية واختار الانتقال إلى باكستان إبان التقسيم. لقاؤهما الأول -الذي دُبّر سرّاً من قبل أقارب رأوا فيهما ثنائياً مثالياً- تم في متجر للأحذية بسوق "أناركالي" في لاهور. اشترت حينها صندلاً أحمر اللون تحت أنظار والدي المراقبة والمعجبة في آن واحد، وفي اليوم التالي جاءت جدتي لأبي لتطلب يدها لابنها من "حكيم صاحب". اظهار أخبار متعلقة عندما أفكر في أمي الآن، أتذكر آراءها التقدمية، وكذلك حس الدعابة والمرح لديها؛ ومزاحها مع أصدقائي، وطريقة تعبيرها عن حبها لأطفالي، إذ علمتهم الطهي ومنحتهم وصفات لم أتعلمها أنا قط، ولم أرغب في تعلمها. تنهمر دموعي الآن دون سابق إنذار؛ فأنا أفتقدها بشدة. لكنني أدرك مدى حظي لأنني حظيت بحبها، ولأنني نلت فرصة توديعها. في عالمنا الموحش والمضطرب، يُعد امتلاك مساحة للحزن امتيازاً كبيراً، في حين يُحرم كثيرون غيري من ممارسة ما ينبغي أن يكون حقّاً إنسانيّاً أساسيّاً وجوهريّاً. فالحزن تجربة إنسانية عامة ومشتركة، لكن القدرة على عيش هذا الحزن والتعبير عنه ليست كذلك.

في غزة والسودان: آلاف الضحايا بلا مراسم حداد عادلة
٢ يوليو ٢٠٢٦
٢٣ مشاهدة
5 دقائق قراءة
كن أول من يعلم!
اشترك في قنواتنا على وسائل التواصل الاجتماعي لتصلك أهم وأحدث أخبار تهامة واليمن العاجلة فور حدوثها.

التعليقات (0)