
سياسة
كيف تتجنب عصبية الصيام؟ 6 استراتيجيات للحفاظ على هدوئك قبل الإفطار
مع اقتراب موعد الإفطار، لا يكون الإحساس بالضيق أو سرعة الغضب مجرد شعور عابر، بل يرتبط بتفاعلات بيولوجية ونفسية معقدة تحدث في الجسم أثناء الصيام. فقد تنشأ العصبية التي يشعر بها الكثيرون خلال ساعات الصيام نتيجة تأثير انخفاض الطاقة أو الجوع أو انقطاع الكافيين أو النيكوتين، وهي عوامل تتفاعل مع الجهاز العصبي لتؤثر على المزاج والانفعال بشكل ملموس.
تابع قراءة السطور التالية للتعرف على بعض الاستراتيجيات الذكية للحفاظ على هدوء النفس وضبط المزاج حتى لحظة الإفطار.
هل أنت جائع حقا؟ يُشير موقع هيلث لاين (Healthline) إلى أنه يصعب تعريف الجوع بدقة، لكن ما يمكن قوله إنه شعور ينطوي على تفاعل معقد بين الهرمونات والعمليات الكيميائية الحيوية وردود الفعل الجسدية. وبشكل عام، هناك نوعان من الجوع: الجسدي والنفسي.
في هذه الحالة، لا يكون الشعور بالملل أو الحرمان مجرد حالة ذهنية بلا تأثير على الجسم، بل يمكن أن تؤدي إلى استجابة هرمونية حقيقية تشمل إفراز هرمون التوتر "الكورتيزول". ارتفاع الكورتيزول يعني أن الجسم يدخل في وضع "الاستجابة للضغط"، مما يقود لاحقا إلى تأثيرات تتعلق بالانفعال والمزاج والسلوك.
هذا التداخل بين الجوع كإحساس عضوي وانفعال نفسي يفسر لماذا تتصاعد العصبية قبل الإفطار رغم أن الجسد يستطيع تحمّل ساعات الصيام.
في اللغة الإنجليزية، مصطلح "جائع" (hangry) هو مزج لغوي لكلمتي الجوع "hungry" والغضب "angry". يُعرّف هذا المصطلح بأنه "سوء المزاج أو الانفعال الناتج عن الجوع"، وهو يُشير إلى ذلك الشعور بالضيق الشديد الذي ينتاب البعض عند تفويت وجبة طعام. ووجدت الأبحاث أن الانفعال وفقدان السيطرة على النفس وغيرها من سمات الغضب، قد تكون علامات على أن الجسم يشعر بالجوع.
التفسير العلمي لهذا الأمر يدور حول مستويات السكر في الدم وهرمونات التوتر، فعند تناول الطعام، يقوم الجهاز الهضمي بهضم الطعام، وهو ما يرفع مستويات السكر/ الغلوكوز في الدم، وعند الامتناع عن الطعام لفترات طويلة تنخفض مستويات السكر في الدم، ومن أبرز أعراض ذلك الشعور بالعصبية.
أيضا، رُبطت هذه العصبية بنشاط بعض الهرمونات، بما في ذلك الأدرينالين، الذي يُفرز عندما تنخفض مستويات السكر في الدم بشكل كبير. إذ يُفرز هذا الهرمون عند التعرض للخطر، وينتج عنه طاقة زائدة ومفاجئة، ليتمكن الجسم من مواجهة الخطر أو الهرب منه، وبما إنه لا يوجد في الواقع أي خطر أو تهديد حقيقي، تؤدي هذه الطاقة إلى العصبية وفقدان السيطرة على النفس. أيضا، انخفاض الغلوكوز ونقص الطاقة يؤثر في كفاءة القشرة الجبهية الأمامية، المسؤولة عن التنظيم الانفعالي وضبط السلوك.
أكدت الدراسات على وجود علاقة بين الشعور بالجوع والغضب. وخلال إحدى الدراسات، سجل 64 شخصا مشاعرهم ومستويات جوعهم خمس مرات يوميا على مدار ثلاثة أسابيع. وتوصلت نتائج الدراسة إلى أن الجوع يزيد من مشاعر الغضب والانفعال، ويقلل من مستويات الشعور بالمتعة.
في حياة الكثيرين، أصبح الكافيين والنيكوتين جزءا روتينيا من النظام اليومي، ويمكن أن يُحدث غيابهما المفاجئ تغيرات واضحة في المزاج والسلوك، تظهر في شكل عصبية وتوتر.
من المنظور العلمي، عندما يتوقف الجسم فجأة عن استهلاك الكافيين بعد اعتماد منتظم عليه، يبدأ في مواجهة أعراض الانسحاب التي تشمل العصبية والتوتر واضطراب المزاج. هنا، تُظهر دراسة منشورة في مجلة فود آند كيميكال توكسيكولوجي (Food and Chemical Toxicology) أن الانسحاب من الكافيين بعد الاعتماد المنتظم قد يؤدي إلى تهيج وتوتر وشعور بعدم الراحة العامة سواء نفسيا أو جسديا.
وبالطبع ينطبق مبدأ مشابه على النيكوتين، فقد أكدت دراسة علمية من مكتبة بوبميد سنترال (PubMed Central) أن انسحاب النيكوتين يؤدي إلى أعراض عاطفية واضحة تشمل القلق والتهيج والاكتئاب والعصبية، نتيجة للتغيرات في نشاط الدماغ والناقلات العصبية، التي تحدث عند توقف المنبه عن تحفيز مستقبلاته المعتادة.
هذه التفاعلات البيولوجية تدعم فكرة أن غياب الكافيين والنيكوتين لا يؤثر فقط على الجسد، بل يمتد تأثيره إلى الحالة النفسية والمزاجية.
يبدأ هذا من التخطيط الجيد لوجبتي الإفطار والسحور، إذ يُنصح باختيار أطعمة تحتوي على بروتين وألياف وكربوهيدرات معقدة لإبطاء امتصاص الغلوكوز ومنع الارتفاع والهبوط الحاد الذي قد يرتبط بالتهيج وسرعة الانفعال.
تُساعد الحبوب الكاملة الغنية بالألياف، على تنظيم مستوى السكر في الدم. والألياف هي نوع من الكربوهيدرات، لكنها على عكس باقي الكربوهيدرات التي تتحول إلى غلوكوز سريع الامتصاص، تمر عبر الجسم دون أن تُهضم. تساعد الألياف على إبطاء امتصاص السكر وتثبيت مستويات الغلوكوز في الدم، مما يزيد الشعور بالشبع لفترة أطول ويقلّل التقلبات الحادة في الطاقة.
بعد التمييز بين الحاجة البيولوجية لتناول الطعام والرغبة المرتبطة بالملل أو الحرمان؛ ستدرك أن الجوع النفسي يمكن مواجهته من خلال شغل الوقت بأنشطة بسيطة.
أفضل الطرق لتشتيت انتباهك عن الجوع النفسي هي تلك التي لا تستغرق سوى خمس دقائق تقريبا، وهي مدة كافية لتغيير حالتك النفسية، مثل المشي لمدة خمس دقائق أو الجلوس في الهواء الطلق. سيساعد هذا في كسر دائرة التوتر ويمنح العقل فرصة لإعادة تقييم الإحساس بالجوع بوعي واتزان.
التوقف المفاجئ عن تناول الكافيين والنيكوتين قد يُصيب الجسم بصدمة ويُفاقم أعراض الانسحاب. لذا، يُنصح بتقليل استهلاكهما تدريجيا لتقليل احتمالية التعرض للآثار الجانبية السلبية. حاول أن تقلل الكمية التي تتناولها بعد الإفطار.
وبدلا من تناول عدّة أكواب من المشروبات التي تحتوي على كافيين، سيكون الأفضل تناول كمية أقل. إذا كنت معتادا على شرب القهوة المركزة، فابدأ بشرب نصفها قهوة منزوعة الكافيين ونصفها الآخر قهوة عادية لتقليل الاعتماد عليها تدريجيا.
والأفضل من ذلك، أن تستبدل أحد أكواب القهوة بشاي أعشاب منزوع الكافيين. تذكر أن الجرعات المرتفعة من الكافيين ليلا قد تؤثر أيضا على النوم، واضطراب النوم بدوره يرتبط بزيادة التهيج والانفعال.
الحفاظ على رطوبة الجسم ليس مجرد عادة صحية، بل أداة أساسية لتقليل العصبية خلال الصيام. فالجفاف قد يزيد من حدة الصداع والإرهاق وصعوبة التركيز، وهي أعراض قد تساهم في تقلب المزاج والانفعال. لذلك يُنصح بالحرص على شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، مع توزيعها بدلا من تناولها دفعة واحدة.
الترطيب الجيد يدعم توازن الطاقة، ويساعد الجسم على التكيف بهدوء مع ساعات الصيام.
الحصول على قسط كاف من النوم خلال رمضان يُعد عاملا حاسما في تقليل العصبية المصاحبة للصيام. فالسهر الطويل واضطراب مواعيد النوم قد يزيدان من الشعور بالإرهاق وسرعة الانفعال، بينما يساعد النوم المنتظم بمعدل يتراوح بين 7 و9 ساعات يوميا على دعم التوازن العصبي وتحسين القدرة على ضبط المشاعر.
تنظيم مواعيد النوم، ولو عبر قيلولة قصيرة مدروسة، يمنح الجسم فرصة حقيقية لاستعادة طاقته وتقليل التوتر خلال الصيام.
عندما تشتد العصبية خلال ساعات الصيام الأخيرة، يمكن لتقنيات تقليل التوتر، كالتنفس العميق أو تمارين الاسترخاء، أن تدعم استقرار الحالة المزاجية وتحدّ من الاستجابات العصبية، ما يجعل الصيام أكثر هدوءا واتزانا على المستوى النفسي والجسدي.
مثلا يمكن أن يساعد التنفس العميق على التهدئة الفورية للجهاز العصبي. فإبطاء وتيرة الشهيق والزفير يساعد على تقليل تنشيط استجابة التوتر في الجسم.
التنفس العميق يتم من خلال شهيق عميق عبر الأنف، ثم احتفاظ قصير بالهواء، ثم زفير بطيء عبر الفم. القيام بهذا يمنح الدماغ إشارة أمان، ويساعد على تهدئة المشاعر.
